فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 454

وامتطى كل منهم مطية الهمة قد ألجمها بلجام الشوق وقومها بقوام

العشق

فرحلوا من محجة الاختبار، فاستدرجتهم محن الاضطرار فهلك من كان من بلاد الحر في بلاد البرد، ومات من كان من بلاد البرد في بلاد الحر وتصرفت فيهم الصواعق، وتحكمت عليهم العواصف، حتى خلصت منهم شرذمة قليلة إلى جزيرة الملك. ونزلوا بفنائه والتمسوا من يخبر عنهم الملك

فأخبر بهم فتقدم إلى بعض سكان الحضرة من يسألهم ما الذي حملهم على الحضور، فقالوا حضرنا ليكون مليكنا، فقيل لهم: أتعبتم أنفسكم فنحن الملك شئتم أو أبيتم، جئتم أو ذهبتم، لا حاجة بنا إليكم، فلما أحسوا بالاستغناء والتعذر أيسوا وشملتهم الحيرة وقالوا: لا سبيل إلى الرجوع فقد تخاذلت القوى وأضعفتنا الجوى فليتنا تركنا في هذه الجزيرة لنموت عن آخرنا!

فلما عمهم اليأس وضاقت بهم الأنفاس تداركتهم أنفاس الإيناس وقيل لهم هيهات فلا سبيل إلى اليأس فإن كان كمال الغنى يوجب التعذر والرد، فجمال الكرم أوجب السماحة والقبول، فبعد أن عرفتم مقداركم في العجز عن معرفة قدرنا فحقيق بنا إيواؤكم فإنه يطلب المساكين الذين رحلوا من مساكنة الحسبان ومن استشعر عدم استحقاقه فحقيق بالملك العنقاء أن يتخذه قرينا، فلما استأنسوا بعد أن استيأسوا وانتعشوا بعد أن تعسوا ووثقوا بفيض الكرم سألوا عن رفقائهم فقالوا: ما الخبر عن أقوام قطعت بهم المهامة والأودية. امطلول دماؤهم أم لهم دية؟ فقيل هيهات. هيهات. (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ويدركه الموت فقد وقع أجره على الله) والذين غرقوا في لجج البحار ولم يصلوا الى الدار بل التقمتهم لهوات التيار. قيل هيهات «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء» . فالذي

جاء بكم وأماتهم أحياهم، والذي وكل بكم داعية الشوق حتى استقللتم الفناء والهلاك في أريحية الطلب دعاهم وحملهم وأدناهم وقربهم فهم حجب العزة وأستار القدرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت