عُين الراحل الكبير الشيخ عبد الحميد كشك معيدًا بكلية أصول الدين عام 1957م، ولكنه لم يقم إلا بإعطاء محاضرة واحدة للطلاب بعدها رغب عن مهنة التدريس في الجامعة، حيث كانت روحه معلقة بالمنابر التي كان يرتقيها من سن 12 سنة، ولا ينسى فضيلته تلك الخطبة التي ارتقى فيها منبر المسجد في قريته في هذه السن الصغيرة عندما تغيب خطيب المسجد، وكيف كان شجاعًا فوق مستوى عمره الصغير، وكيف طالب بالمساواة والتراحم بين الناس، بل وكيف طالب بالدواء والكساء لأبناء القرية، الأمر الذي أثار انتباه الناس إليه والتفافهم حوله.
بعد تخرجه في كلية أصول الدين، حصل على إجازة التدريس بامتياز، ومثل الأزهر الشريف في عيد العلم عام 1961م، ثم عمل إمامًا وخطيبًا بمسجد الطحان بمنطقة الشرابية بالقاهرة. ثم انتقل إلى مسجد منوفي بالشرابية أيضًا، وفي عام 1962م تولى الإمامة والخطابة بمسجد عين الحياة، بشارع مصر والسودان بمنظقة حدائق القبة بالقاهرة .. ذلك المسجد الذي ظل عينًا للحياة قرابة عشرين عامًا .. هي عمر الشيخ الجليل على منبره إلى أن اعتُقل في عام 1981م وتم منعه نهائيًا من الدعوة والخطابة إلى أن لقي ربه أسيرًا ساجدًا بين يديه.
للشيخ الجليل الراحل شقيقان هما: المهندس عبد المنعم كشك والمستشار عبد السلام كشك - أمين صندوق نقابة المحامين بالقاهرة - وله أيضًا شقيقتان متزوجتان، وله من الأبناء ثمانية، خمسة من الذكور، وثلاثة من الإناث، أما الذكور فهم: عبد السلام وعبد المنعم، وهما محاميان، ومحمد متخرج في كلية الإعلام جامعة القاهرة، ومصطفى الطالب بكلية التجارة، وعبد الرحمن الطالب بالإعدادية، أما بناته فهُنّ: أسماء وهي متزوجة، وتوفي عنها زوجها ولديها طفل صغير اسمه يوسف، وخديجة وهي متزوجة ولديها محمود، وفاطمة الطالبة بالصف الثاني الثانوي، ولعل الكثيرين لا يعرفون أن جميع أبناء الشيخ عبد الحميد كشك يحفظون القرآن الكريم كاملًا، كما أخبرني بذلك ابنه عبد المنعم فقد كان الفارس الذي رحل عنا مربيًا ذكيًا صبورًا محتسبًا.
اعتقل الشيخ الجليل رحمه الله عام 1965م وظل بالمعتقل لمدة عامين ونصف، تنقل خلالها بين معتقلات طرة وأبو زعبل والقلعة والسجن الحربي.
كما اعتقل عام 1981م وكان هجوم السادات عليه في خطاب 5 سبتمبر 1981م هجومًا مرًا، كما كان الهجوم البذيء- كذلك - على كبار الدعاة كالمرحوم عمر التلمساني، والداعية الكبير الشيخ أحمد المحلاوي، وقد لقي الداعية الكبير خلال هذه الإعتقالات عذابًا رهيبًا ترك آثاره على كل جسده. وكان كما قال مرافقوه داخل السجون مثالًا للصبر والثبات والاحتساب واليقين.
في رحاب التفسير
ترك الداعية الكبير الراحل 108 كتب تناول كافة مناهج العمل والتربية الإسلامية، وكان في كل هذه الكتابات ميسرًا لعلوم القرآن والسنة، مراعيًا لمصالح الناس وفِقهِ واقعهم بذكاء وعمق وبصيرة. كما توج جهوده العلمية بمؤلفه الضخم في عشرة مجلدات"في رحاب التفسير"الذي قام فيه بتفسير القرآن الكريم كاملًا، وهو أول تفسير يعرض للجوانب الدعوية في القرآن الكريم. ويُمثل ضلعًا ثالثًا إلى جانب"في ظلال القرآن"للشهيد سيد قطب، والأساس"لسعيد حوى".
جديرُ بالذكر أنا الداعية الكريم الراحل الشيخ عبد الحميد كشك كان مبصرًا إلى أن صار عمره ثلاثة عشر عامًا ففقد نور إحدى عينيه، وفي سن السابعة عشرة، فقد العين الأخرى، وكان كثيرًا ما يقول عن نفسه، كما كان يقول ابن عباس - رضوان الله عليه:
إن يأخذِ الله من عينيّ نورهما ففي فؤادي وعقلي عنهما نورُ
كانت نهاية الشيخ المجاهد الراحل بحق هي حسن الختام .. فقد توضأ في بيته لصلاة الجمعة وكعادته، كان يتنفل بركعات قبل الذهاب إلى المسجد، فدخل الصلاة وصلى ركعة، وفي الركعة الثانية، سجد السجدة الأولى ورفع منها ثم سجد السجدة الثانية وفيها أسلم الروح إلى بارئه .. متوضئًا مصليًا ساجدًا .. وبقدر ما كان الحزن يعتصر المعزّين .. بقدر ما كانت سعادة الكثير منهم بهذه الخاتمة الطيبة الحسنة .. فالمرء يُبعث على ما مات عليه، لذلك فإن الداعية الشهير الشيخ محمد حسان عندما حضر إلى العزاء ليلة الوفاة .. قال لأبنائه: لم آت مُعزيًا .. وإنما أتيت مهنئًا .. وحق لكم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)