ـ [ابوعمر الدغيلبي] ــــــــ [15 - 02 - 08, 02:16 ص] ـ
العلامة الشيخ / عبد الرزاق عفيفي ومعالم منهجه الأصولي
للدكتور / عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله السديس
المقدمة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (1) وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه وسلك سبيله إلى يوم الدين. أما بعد: فإن للعلماء في هذا الدين مكانة كبرى، ومنزلة عظمى، فهم ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، والأمناء على ميراث النبوة، هم كواكب الأرض المتلألئة وشموسها الساطعة، وأطنابها القوية، وأوتادها المتينة، هم للأمة مصابيح دجاها، وأنوار هداها، هم الأعلام الهداة والأئمة التقاة، أضواء تنجلي بهم غياهب الظلم، وأقطاب تدور عليهم معارف الأمم، تتبدد بنور علمهم سحب الجهل، وغيوم العي، هم أهل خشية الله، كما قال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} قرنهم الله بنفسه في الشهادة على وحدانيته فقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وضمن الله لهم العلو والرفعة، فقال جل وعلا: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} كما أنهم شهداء الله في أرضه وخلفاء رسوله في أمته والمحيون لما مات من سنته، بهم حفظ الله الدين، وبه حفظوا، وما عزت الأمم وبلغت القمم وشيدت الحضارات وقامت الأمجاد إلا بالعلماء، مثلهم في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة (2) وفي المسند والسنن من حديث (( أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. ) ) (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
(1) هذا صدر خطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بها خطبه، وقد خرجها أهل السنن والحاكم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.< br> انظر: (2/ 238) من سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح، (3/ 413) من سنن الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح، (3/ 105) من سنن النسائي، كتاب الجمعة، باب كيف الخطبة، (1/ 609) من سنن ابن ماجه، كتاب النكاح، باب خطبة النكاح، (2/ 182) من المستدرك للحاكم، باب النكاح. وللشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني رسالة خاصة بها من طبع ونشر المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت
(2) ورد بهذا المعنى حديث خرجه أحمد في المسند (3/ 157)
(3) انظر: (5/ 196) من المسند، (3/ 317) من سنن أبي داود، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، (4/ 153) من سنن الترمذي، كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة
ـ [ابوعمر الدغيلبي] ــــــــ [15 - 02 - 08, 02:17 ص] ـ
يقول الإمام أحمد - رحمه الله - في معرض فضائلهم ومآثرهم: يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. (1) وإنما تبوأ العلماء هذه المكانة لما يضطلعون به من تبليغ علوم الشريعة التي هي مادة حياة القلوب والمقربة لعلام الغيوب، فبالعلم الشرعي تبنى الأمجاد وتشاد الحضارات وتبلغ القمم وتمحى غياهب الظلم، قال تعالى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} (2) وإن من أهم علوم الشريعة وأجلها قدرًا وأعظمها أثرًا وأكثرها فائدة وأكبرها عائدة علم أصول الفقه؛ لأنه الطريق لاستنباط الأحكام الشرعية، فهو منهل الأئمة ومأوى المجتهدين ومورد المفتين لا سيما عند النوازل والمستجدات. ولقد زخر تاريخ الإسلام بكوكبة من علماء الأصول في مختلف العصور مَثَّلوا منارات عالية في سماء العلم والمعرفة، كما شهد عصرنا الحاضر نخبة مميزة من علماء الأصول يعدون امتدادًا لسلفهم من الأصوليين، بل إنه نتيجة لاستقرار المناهج الأصولية ونضج التفكير الأصولي المرتبط بالمنهج الصحيح لدى صفوة منهم أصبح من المهم إبراز منهج هؤلاء ودراسة حياتهم العلمية ومناهجهم الأصولية، لما لذلك من الأثر الكبير والخير الوفير على الباحثين وطلاب العلم عامة، والمهتمين منهم بالأصول على سبيل الخصوص.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
(1) في مقدمة كتابه الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله، وقد طبعته الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء
(2) وللنظر في أهمية العلم ومكانه أهله يراجع كتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ومفتاح دار السعادة لابن القيم، وإعلام الموقعين له، والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي وغيرها
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)