فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 76653 من 82138

فذلك ظللت أتجرع الغيظ بحتًا، وأنا أصغي إلى الدكتور"طه"في محاضراته، ولكني لا أستطيع أن أتكلم، لا أستطيع أن أناظره كِفاحًا، وجهًا لوجه، وكل ما أقوله، فإنما أقوله في غيبته لا في مشهده. تتابعت المحاضرات، وكل يوم يزداد وضوح هذا السطو العريان على مقالة"مرجليوث"، ويزداد في نفسي وضح الفرق بين طريقتي في الإحساس بالشعر الجاهلي، وبين هذه الطريقة التي يسلكها الدكتور"طه"في تزييف هذا الشعر. وكان هذا"السطو"خاصة ممّا يهزّ قواعد الآداب التي نشأت عليها هزًا عنيفًا، بدأت الهيبة مع الأيام تسقط شيئا فشيئًا، وكدت ألقي حفظ الجميل ورائي غير مُبال، ولم يبق لتوقير السن عندي معنىً، فجاء حديث الخضري، من حيث لا يريد أو يتوقع، لينسف في نفسي كل ما التزمت به من هذه الآداب. وعجب الخضري يومئذ، لأني استمعت لحديثه، ولم ألقه لا بالبشاشة ولا بالحقارة التي يتوقعها، وبقيت ساكنًا، وانصرفت معه إلى حديث غيره.

وفي اليوم التالي جاءت اللحظة الفاصلة في حياتي. فبعد المحاضرة، طلبت من الدكتور"طه"أن يأذن لي في الحديث، فأذن لي مبتهجًا، أو هكذا ظننت. وبدأت حديثي عن هذا الأسلوب الذي سماه"منهجا"وعن تطبيقه لهذا"المنهج"في محاضراته، وعن هذا"الشك"الذي اصطنعه، ما هو، وكيف هو؟ وبدأت أدلل على أن الذي يقوله عن"المنهج"وعن"الشك"غامض، وأنه مخالف لما يقوله"ديكارت"، وأن تطبيق منهجه هذا قائم على التسليم تسليمًا سلما يداخله الشك، بروايات في الكتب هي في ذاتها محفوفة بالشك! وفوجىء طلبة قسم اللغة العربية، وفوجىء الخضيري خاصة. ولما كدت أفرغ من كلامي، انتهرني الدكتور"طه"وأسكتني، وقام وقمنا لنخرج. وانصرف عني كل زملائي الذي استنكروا غضابًا ما واجهت به الدكتور"طه"، ولم يبق معي إلا محمود محمد الخضيري (من قسم الفلسفة كما قلت) . وبعد قليل أرسل الدكتور"طه"يناديني فدخلت عليه وجعل يعاتبني، يقسو حينًا ويرفق أحيانا، وأنا صامت لا أستطيع أن أرد. لم أستطع أن أكاشفه بأن محاضراته التي نسمعها كلّها مسلوخة من مقاله"مرجليوث"، لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير، ولكني على يقين من أنه يعلم أني أعلم، من خلال ما أسمع حديثه، ومن صوته، ومن كلما ته، ومن حركاته أيضا!! وكتماه هذه الحقيقة في نفسي كان يزيدني عجزًا عن الرد، وعن الإعتذار إليه أيضًا، وهو ما كان يرمي إليه. ولم أزل صامتًا مُطرقًا حتى وجدت في نفسي كأني أبكي من ذلِّ العجز، فقمت فجأة وخرجت غير مودع ولا مبال بشيء. وقضي الأمر! ويبس الثرى بيني وبين الدكتور:"طه"إلى غير رجعة!

ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحيانًا بغير هيبة، ولم يكف هو عن استدعائي بعد المحاضرات، فيأخذني يمينا وشمالًا في المحاورة، وأنا ملتزم في كل ذلك بالإعراض عن ذكر سطوه على مقالة مرجليوث، صارفًا همي كله إلى موضوع"المنهج"و"الشك"وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموي والعباسي قراءة متذوقة مستوعبة، ليستبين الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي قبل الحديث عن صحة نسبة هذا الشعر إلى الجاهلية، أن التماس الشبه لتقرير أنه باطل بالنسبة، وأنه موضوع في الإسلام، من خلال روايات في الكتب هي في حد ذاتها محتاجة إلى النظر والتفسير. ولكني من يومئذ أيضًا لم أكف عن إذاعة هي الحقيقة التي أكتمها في حديثي مع الدكتور"طه"وهي أنه سطا سطْوًا كريهًا على مقالة المستشرق الأعجمي، فكان، بلا شك، يبلغه ما أذيعه بين زملائي. وكثر كلامي عن الدكتور"طه"نفسه، وعن القدر الذي يعرفه من الشعر الجاهلي، وعن أسلوبه الدال على ما أقول. واشتد الأمر، حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتي، بعض الأساتذة كالأستاذ"نلّينو"جويدي من المستشرقين، وكنت أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان، ولكنهما يداوران. وطال الصراع غير المتكافىء بيني وبين الدكتور"طه"زما نًا، إلى أن جاء اليوم الذي عزمتُ فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها غير مبال بإتمام دراستي الجامعية طالبًا للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في"قضية الشعر الجاهلي"بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب. ولطبيعة خاصة لهذا الرجل قرر أن يترك الجامعة بعد أن سقطت هيبتها من نفسه، وعجز أن يحتمل هذا الفساد الذي رآه في أساتذته ومعلّميه.

فمن هو محمود محمد شاكر - أبو فهر-؟

والده هو محمد شاكر (توفي سنة 1929م) شيخ أزهري كان وكيلًا للجامع الأزهر (1909 - 1912م) ، وأمه بنت الشيخ/ هارون عبد الرزّاق (توفي سنة 1918م) والد المحقق / عبد السلام هارون، والشيخ/ محمود محمد شاكر هو شقيق المحدث الإمام الشيخ أحمد شاكر صاحب الجهود العظيمة في خدمة السُّنة النبوية، ولا بأس من الاستطراد قليلًا في ترجمة الشيخ/ أحمد شاكر شقيق المترجم أبي فهر.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت