في هذه السنة فكَّر بافتتاح مدرسة خاصّة باسم صديقٍ له اسمه عبد القادر الشيخ فتوح - المعروفين اليوم بآل جحا - وهذا كان يشتغل في حقل التعليم فتركه لأسباب لا أعلمها وبقي بدون عمل وهو أستاذ قدير محترم، فاوضه والدي أنْ يقوم وإيّاه بفتح مدرسة يتدرجان بها حتى تصبح كلية بين بحرٍ من أشجار الزيتون، يجلب لها أساتذة متخصصين بشتَّى العلوم، على نمط الجامعة التي درس بها، فتُقصدُ من جهاتٍ مختلفة، ومن شتَّى أرجاء المعمورة، وتغني شبابنا عن ارتياد الكلية الأمريكية ..
وكان من أولى الأسباب التي دعته إلى التفكير بهذه المدرسة أنه أحصى الموجودين من أبناء إدلب في الكلية الأمريكية في حلب اذْ ذاك، فكان عددهم (55) تلميذًا وتساءل عن كلفة التلميذ فيها فعلم أنه يكلف سنويًا ألفيْ ليرة سورية بين رسوم مدرسيّة ومصاريف أخرى فرأى أن مبلغ (110) آلاف ليرة يقوم بمدرسة كاملة تعلّم مئات الطلاب.
وشجّع الأخ عبد القادر وبدأ العمل في أول صيف عام 1941 كتجربة، وأقام احتفالًا للدعاية لها ضمَّ عددًا كبيرًا من أهل إدلب، وجعل الاحتفال في الدار التي اتخذناها مدرسة فأقبل عليها الطلاب بأجور زهيدة جدًا، وقضى بفتح خمسة صفوف هي صفوف المرحلة الابتدائية في الصيف فقط، على أن تقتصر أثناء الدراسة الشتوية على صفين فقط، حيث لم يُرِدْ أن يقتطع من المدارس طلابًا، بل يتدرج بالمبتدئين وبتلاميذ الكتاتيب الذين أقبلوا على مدرستنا.
غير أن الأستاذ المذكور عبد القادر جحا كان غير متفائل بنجاح هذه المدرسة فتشبث بالوظيفة، وانسحب من العمل في المدرسة التي أزمع والدي فتحها، وكان وقع انسحابه مؤلمًا في نفس والدي لأنه كان يقصد استحصال الترخيص باسمه، لأنه كان يعتقد استحالة الحصول عليه باسمه لأنه كان من أشدِّ أعداء المستعمر الافرنسي والمناوئين له، وليس من المعقول أن يتمّ منحه ترخيصًا بمدرسة خاصة، في وقت كانت مراقبة المستعمر للتعليم شديدة، وكان من أهدافه تطبيق دائرة التعليم الرسمي، بُغية تجهيل الشعب، فكيف بالتعليم الحرّ .... ولا أبالغ إذا قلت إن المعلم في المدارس الرسمية في ذلك الحين، لا يجرؤ أن يذكر كلمة وطن، ويخشى إذا فعل أن يُتهم بالعداء للمستعمر، وهو مهدد بالتسريح لأقل اشتباه في سلوكه.
كل صعب يهون إذا وجدت العناية الإلهية.
صعب على والدي التراجع عن فتح المدرسة، لأن ذلك معناه وهن الإرادة، وهوان الشخصية، وكان من آثار حُزنه العميق أن صمَّم على المُضي في تنفيذ مخططه مستعينًا بالله وحده فتقدم بعريضة إلى وزارة المعارف، ولم يمش وراءها خطوة واحدة ولكنه رافقها بالدعاء والضراعة إلى الله، فلم يَمضِ على رفعها إلى سُدَّة رئاسة الجمهورية ثلاثة أشهر حتى عاد الجواب بالترخيص بموجب مرسوم جمهوريٍ، بافتتاح مدرسةٍ سمّاها -مدرسة الفتح - تفاؤلًا بما سيكون وراءها من فتوحات في الدين والعلم والأخلاق.
وكان ذلك كأنه حلم من الأحلام، فرح والدي فرحًا عظيمًا، وكان ذلك في مطلع عام 1942 حيث قام بفتح خمسة صفوف هي صفوف المرحلة الابتدائية يتدرج بالمبتدئين وبتلاميذ الكتاتيب الذين أقبلوا على المدرسة، وبدأ عمله بجدٍ واخلاص كما بدأَتِ المقاومة والمناهضة لهذه المدرسة بإشاعة الأكاذيب عنها وأنها لا تفترق عن كتَّاب لا قيمة لشهادتها، ولا تعترف عليها الحكومة وغير ذلك من الافتراءات.
وسار فيها سيرًا مطابقًا لبرامج المدارس الرسمية، مع العناية الفائقة بالناحتين العلمية والصحية، مصحوبًا بالتوجيه الخُلقي المستقيم، واصطبر على الدعايات المناهضة حتى تكاملت صفوفها إلى خمسة هي كلّ صفوف المرحلة الابتدائية آنذاك، وقدَّم أول فوج إلى فحص الشهادة المسمى (سيرتيفيكا) فكانت نسبة النجاح 100% وأُلِقم المُغرضون المخاصمون حجرًا، وأُسْقِطَ في أيديهم، حيث قُبل جميع الناجحين في أول صفوف المرحلة التجهيزية، وسارت المدرسة بسُمعة طيّبة ونالت الإعجاب لدى الشعب والحكومة وظلّت معروفة بتفوقها، حسنة السُمعة واضحة الجهود بالنسبة لسائر المدارس في البلد رُغم كثرتها ووفْرتها ومجانيتها، وقد كانت ميزة هذه المدرسة في المدارس الإعدادية والثانوية تفَوّق طلابها المحسوسِ من قبل الأساتذة، فإذا شاهدوا تلميذًا نبيهًا قالوا له أنت من تلاميذ مدرسة الشيخ نافع، حتى
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)