طغى اسم صاحبها على اسمها، فأصبحت تعرف بمدرسة الشيخ نافع بدلًا من مدرسة الفتح ولا زالت تُعرف كذلك، ولا زالت بِعون الله أيضًا الرائدة بين أقرانها، ولله الحمد والمنّة.
& - العمل الاجتماعي:
لما ترك والدي العمل في بيروت وعاد إلى إدلب، كان الوضع الاجتماعي جامدًا وكان فيها بضع مشايخ هم تلامذة العلامة الشيخ طاهر منلا الكيالي شيخ الطريقة الرفاعية ونقيب الأشراف في إدلب.
وكان في درجتة ثلاثة من العلماء هم الشيخ عبد الرزاق جبيرو وهو عالم وشاعر، وبرهان الدين عياشي وكان مفتيًا، والشيخ عبد الفتاح جحا وكان صوفيًا على الطريقة القادرية، وقد توفي الاثنان الأولان في عام 1931 وفي نهاية العام نفسه توفي الشيخ عبد الفتاح جحا، وكانت وفاته يوم جمعة، وشُيّع جثمانه قبل الصلاة وصادف أن بُحَّ صوت خطيب جامع الأقرعي الشيخ شريف مرتيني، فراح يبحث عن شخص يَخطب مكانه ونظرًا لضيق الوقت وعدم وجود من يستطيع أن يخطب ارتجالًا من المشايخ دُلّ على والدي، فرجاه أن ينوب عنه، فاعتذر كونه غير معمم، حيث كانت العادة، ألا يرتقي المنبر، من ليس على رأسه عمامة، فقال: لا مانع أن تخطب بدون عمامه فقبل والدي النيابة.
وما أن بلغ الخبر إلى الشيخ طاهر نقيب الأشراف، حتى نادى والدي، والمشايخُ من حوله فطلب منه أن يتعمم تمشيًا مع العادة المألوفة، فامتثل إرضاءً للشيخ و رغبة منه في استمرار زي المشيخة القديم في آبائه، وخطب الجمعة مكان الشيخ المذكور، وكانت هذه الخطبة من أسباب شهرته في بلده الذي جهله أهله بسبب غيابه عنهم مدة شبابه الأولى.
وانطلق من بعدها لإلقاء الدروس والخُطب فأكسبه ذلك شعبية عظيمة، تعب من ورائها كثيرًا في المداخلات الاجتماعية، وإصلاح ذات البيْن في الأوساط الاجتماعية، خصوصًا في القرى، التي كانت في نزاعٍ كبير وخصومات عريضة، وكان المستعمر يُغذي فيها داء التفرّق والعداوة بين أبناء القرية الواحدة، وقلّما تجدُ قرية خالية من التعصب الحزبي أو العائلي، وأكثر القرى كانت تعيش في عداء مستحكم بين عائلة وأخرى، ولا يمضي يوم أو أسبوع، إلا وتنشبُ فيها معارك دامية بسبب تعيين مختار، أو كلمة انطلقت من أحد الأطراف في القرية، أو بسبب انتخاب نائب دون آخر.
النادي الأدبي الرياضي
لما عاد لبلده إدلب كان فيها نادٍ مفتوح مرخّص يدعى (النادي الأدبي الرياضي) تعرّف على بعض شبابه وفهم الوضع الذي كان عليه وهو وضع سيئ لا يسرُّ أحدًا أبدًا، اذ كان هذا النادي قائمًا على عدد محصور قليل من شباب إدلب لا يتجاوز العشرة، والناس يخشون التردد إليه للأسباب التالية.
1 -اشتهار هذا النادي بالمُجافاة للدّين حيث كانوا يلعبون فيه ببعض المنكرات التي يُلعب بها في المقاهي، وعزوف كثيرٌ من روَّاده عن الصلاة.
2 -نُقمة مشايخ البلد على أولئك الشباب وتشويه سمعتهم واتخاذهم من سوء السمعة حجّة لعدم مؤازرتهم في كل حركة يريدون القيام بها ضد المستعمر.
3 -كان غضب الاستخبارات الفرنسية منصبًا على هؤلاء الشباب، والناس يكرهون القرب ممن تغضب عليه الحكومة، والحكومة المحلية تُجاري حكومة الاستخبارات ولا تجرؤُ أبدًا على معاكستها.
4 -استكان شباب النادي أخيرًا إلى واقع الحال فحرصوا على بقاء النادي مفتوحًا كدار تجمعهم للتسلية، ويدفعون أجرتها من جيوبهم، وهم في الحقيقة شبابٌ مهذبون طيبون، حُبست الاستفادة منهم عن شعبهم بالأمور المذكورة.
ولما مضى على على إقامة والدي في إدلب، زمنٌ وتعرّف فيها على معظم أبناء البلد، وتبادل مع شباب النادي الرغبة في العمل الذي يحرّك أمتنا للخير، ويقوّي نفوسهم بالمبادئ الطيبة ليقوَوْا على مجابهة الشر بقيَ ينتظر الفرصة المواتية للانطلاق.
وكانت الدروس والخطب الجمعية التي قام بها، مبعثَ الثقة حيث صحّحت كثيرًا من المفاهيم الاجتماعية الفاسدة، وأصبح شخصًا محبوبًا من جميع الفئات بما فيهم المشايخ، وركَّز في نفوسهم فكرة الإكثار من فتح النوادي والجمعيات تحقيقًا لقول الله تعالى:
(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)
وأوضح لهم المراد من قول الله في شأن موسى عليه الصلاة والسلام وقومه المستضعفين من فرعون وملته:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)