يغلب على عبيد المبالغة وعدم التدقيق فيما يرويه ويقبله دون نقد أو تمحيص، بالرغم من أن أغلبه أساطير؛ فهو قلما ينقد أخباره، بل يحورها ليكسبها حيوية. وهذا يظهر في حديثه عن عاد ومللوكها وعن لقمان وأعمارهم، وعن عا الآخرة وعن ثمود وملوكها وصالح نبيها ولمع من أخبارها، وذكر مكة وأخبارها، وبناء البيت، ومن تداوله من جرهم وغيرها، وذكر اليمن وأنسابها وما قاله الناس في ذلك، وذكر اليمن وملوكها من التبابعة وغيرها، وسيرها ومقادير سنيها، وأخبار أصحاب الفيل، واختلاط الألسنة، ومسير يعرب وسكناه اليمن، ومسير عاد إلى الأحقاف وإرم ذات العماد ( [115] ) .
ويلاحظ أحيانًا أن روايات عبيد يُعارض بعضها البعض كما ظهر في الحديث عن لقمان بن عاد، وعن أعمار بعض الملوك ( [116] ) . ولا يورد روايات عديدة عن الخبر نفسه، بل يقتصر على إيراد خبر واحد؛ فهو لا يوثق معلوماته ولا يعرض وجهات النظر المختلفة. والذي يبدو أن روايات عبيد حرفت على يد نقلها مستغلين شهرته وشهرة كتابه وأخذوا ينسجون من عندهم أخبارًا مدعين أن عبيد ذكرها ( [117] ) .
وظهرت في أخبار عبيد خاصية تظهر في المسامرات، ألا وهي خاصية الاستطراد. فكثيرًا ما كان عبيد يذكر عرضًا في أثناء حديثه بعض الأمور أو الأشخاص، فيسأله معاوية عنهم، فيضطر إلى الخروج إليهم، ثم يرجع إلى السياق الأصلي. وكان معاوية يشير عليه أحيانًا بالرجوع إلى السياق قائلًا:» خذ في حديثك «أو» خذ في حديثك الأول «أو» دع هذا وخذ في حديثك الأول «. وكان معاوية يستعجل أحيانًا بعض الحوادث، فيشير عليه عبيد بالتمهل ( [118] ) . وغلب على أخباره الخيال البدائي المبالغ بل المغرق في المبالغة، وخرجت أخباره قصصًا وخرافات وأساطير، عن ملوك اليمن، لا تختلف في شيء عما كان في الجاهلية، في غالب الظن. بل يمكننا أن نعتبر كتابه تدوينًا للقصص التاريخية التي كانت شائعة في الجاهلية، وخاصة في جنوب بلاد العرب. وهي قصص تاريخية، لا أخبار تاريخية، فلا نستطيع أن نخرج منها بأخبار تاريخية علمية، وإنما نظفر بأدب شعبي خيالي. ومما يكمل صورتها ويقرب بينها وبين الجاهلية تلك الأنساب التي تشيع فيها، حتى قلما يظهر شخص دون أن تورد سلسلة نسبه، حقًّا كانت أو باطلة ( [119] ) . وقد رتب عبيد معلوماته بشكل يشبه التسلسل الزمني وإن لم يورد ذلك بتاريخ أو تحديد للزمن، فهذا مفقود عنده، ولكنه تناول الأقدم ثم الذي يليه زمنًا ثم الذي يتبعه ( [120] ) .
وفي الختام يتبين مما سبق أن عبيدًا من الرواة الأقرب إلى القصاص منهم إلى المؤرخين. ويصدق القول على ما رواه بالقصص التاريخي، لذلك وصلت إلينا أخبار ضئيلة لا قيمة لها خالية من الفكرة التاريخية الموضوعية. وما صنفه عبيد في هذا الموضوع دليل واف على أن العرب الأقدمين كانت تنقصهم الملكة التاريخية والنفوذ إلى الحقائق حتى في أخص ما يتصل منها بحوادث العصر. ومع ذلك، فقد قبلت الأجيال التالية روايات عبيد بمجموعها وأدمجها المؤرخون وكتاب آخرون في مؤلفاتهم ( [121] ) . ويكفي عبيد أن معلوماته كانت أول تدوين تاريخي معروف في الإسلام وبأمر من معاوية حين استقدم عبيد بن شرية وسأله عن أخبار الأمم وأمر الكتبة أن يدونوا أقواله وأن تنسب إليه ( [122] ) . وقد مهد الطريق لمن أتى بعده من المؤرخين الذين تأثروا به من ناحية المادة والهيكل، وابن خلدون لم يتوان عن إيراد هذه القصص بعينها لتحلية نظرياته والترغيب فيها ( [123] ) .
فكل من يطلع على كتاب أخبار ابن شرية يجده أسئلة يجيب عنها ابن شرية، ونجد أكثر أجوبة ابن شرية تستند إلى مصادر اطلع عليها عبيد بن شرية كما يظهر من قوله:» ويقال: جميع أجناس الفرس من ولده، إلخ «و» بلغني أن أولاد"بربر"، إلخ «، وقال:» وقال أسد بني ناعض « ( [124] ) .
لم يتطابق الكتاب مع المقدمة التي ذكرناها، إذ أنه ذكر أنه سوف يتحدث عن ملوك لخم والغساسنة. إلا أنه لم يورد عنهما شيئًا فيما بعد، ولا ندري هل تعرض لهم أو أن ما كتبه عنهم قد فقد.
وفي الختام يتبين لنا مما سبق أن عبيدًا من أوائل الإخباريين القصاص، وأن المعلومات التي وصلت إلينا في كتابه تتطابق تمامًا مع المعلومات التي ذكرها وهب بن منبه وكعب الأحبار. وهذا ما يؤكد أنهم قد نقلوا عنه دون أن يشيروا إلى ذلك صراحة أو أنهم جميعًا قد استقوا هذه المعلومات من مصدر واحد لم يصرحوا به.
وكتاب عبيد ذو أهمية كبيرة، لا في تطور حركة التأليف التاريخي فحسب، بل لأنه يكشف لنا النقاب عن الثقافات التي كان يعرفها العرب في الصدرالأول من الإسلام، وربما التي كان يعرفها العرب في الجاهلية، وخاصة في اليمن.
وعلى أية حال، فإن الإخباريين اليمنيين يعتبرون الرواد في الكتابة التاريخية، وإن سرودها بالأسلوب القصصي الذي تغلب عليه الناحية الأسطورية في بعض الأحيان لا يقلل من أهمية المعلومات التي أوردوها.
بل يمكن القول إنها كانت نقطة البدء في التدوين التاريخي الذي بدأ يأخذ طريقه منذ النصف الثاني من القرن الهجري الأول عن طريق مدرسة المغازي التي بدأت بعروة بن الزبير، إلى أن بدأت تتضح معالم المدرسة التاريخية في العصر العباسي انطلاقًا من بدء الخليقة مرورًا بأيّام العرب والسير والمغازي حتى اكتملت الحلقة التاريخية العربية الإسلامية.