.والبصريون أقرب إلى السنة والإثبات من البغداديين
وكثير من حذاق النظر حار في هذه المسائل، حتى أذكياء الطوائف كأبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني وأبي عبد الله بن الخطيب حاروا في مسألة الجوهر الفرد فتوقفوا فيها تارة وإن كانوا قد يجزمون بها أخرى، فإن الواحد من هؤلاء تارة يجزم بالقولين المتناقضين في كتابين أو كتاب / واحد وتارة يحار فيها، مع دعواهم أن القول الذي يقولونه قطعي برهاني عقلي لا يحتمل النقيض.
وأبو الحسن الآمدي في عامة كتبه هو واقف في المسائل الكبار يزيف حجج الطوائف ويبقى حائرا واقفا.
والناس إذا تنازعوا في المعقول لم يكن قولُ طائفة لها مذهب حجة على أخرى، بل يرجع في ذلك إلى الفطر السليمة التي لم تتغير باعتقاد يغير فطرتها ولا هوى
وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ما لم يعلم فساده أقرب إلى الصواب من تقديم ما يعلم فساده
فإن قيل: نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع على أن دلالة السمع المخالفة له باطلة إما لكذب الناقل عن الرسول أو خطئه في النقل وإما لعدم دلالة قوله على ما يخالف العقل في محل النزاع
قيل: هذا معارض بأن يقال: نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع على أن دلالة العقل المخالفة له باطلة بعض مقدماتها فإن مقدمات الأدلة العقلية المخالفة للسمع فيها من التطويل والخفاء والاشتباه والاختلاف والاضطراب ما يوجب أن يكون تطرق الفساد إليها أعظم من تطرقه إلي مقدمات الأدلة السمعية
وطرق العلم ثلاثة: الحس والعقل والمركب منهما كالخبر
فإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم كما نتنزل إلى اليهودي والنصراني في مناظرته وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله
ثم كثير من هؤلاء يقولون: إن التسلسل إنما هو ممتنع في العلل لا في الآثار والشروط
واعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية، ولا فيما علم العقل صحته وإنما يطعنون فيما يدعي المعارض أنه يخالف الكتاب والسنة وليس في ذلك ولله الحمد دليل صحيح في نفس الأمر، ولا دليل مقبول عند عامة العقلاء ولا دليل لم يقدح فيه بالعقل.
ومعلوم أن النقل المتواتر يفيد العلم اليقيني سواء كان التواتر لفظيا أو معنويا كتواتر شجاعة خالد وشعر حسان وتحديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم وفقه الأئمة الأربعة وعدل العمرين ومغازي النبي صلي الله عليه وسلم مع / المشركين وقتاله أهل الكتاب وعدل كسري وطب جالينوس ونحو سيبويه يبين هذا أن أهل العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسوله بكلامه أعظم مما يعلمه الأطباء من كلام جالينوس والنحاة من كلام سيبويه فإذا كان من ادعى في كلام سيبونه وجالينوس ونحوهما ما يخالف ما عليه أهل العلم بالطب والنحو والحساب من كلامهم كان قوله معلوم البطلان فمن ادعي في كلام الله ورسوله خلاف ما عليه أهل الإيمان كان قوله أظهر بطلانا وفسادا لأن هذا معصوم محفوظ
ولهذا كان ابن النفيس المتطبب الفاضل يقول: ليس إلا مذهبان مذهب أهل الحديث أو مذهب الفلاسفة، فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف
[ينظر بيان التلبيس 2/ 376]
فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد
ولهذا كانوا يجعلون القرآن يحيط بكل ما يطلب من علم الدين، كما قال مسروق: ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه.
وإن الواو واو الجمع التي يسميها نحاة الكوفة واو الصرف كما في قولهم (لا تأكل السمك وتشرب اللبن)
ولهذا تنازع الناس في الأمر بالشيء هل يكون أمرا بلوازمه وهل يكون نهيا عن ضده مع اتفاقهم على أن فعل المأمور لا يكون إلا مع فعل لوازمه وترك ضده، ومنشأ النزاع أن الآمر بالفعل قد لا يكون مقصوده اللوازم ولا ترك الضد، ولهذا إذا عاقب المكلف لا يعاقبه إلا على ترك المأمور فقط لا يعاقبه على ترك لوازمه وفعل ضده.
[ثم تكلم بكلام نفيس عن مسألة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب]
فما لا يتم الواجب إلا به كقطع المسافة في الجمعة والحج ونحو ذلك فعلى المكلف فعله باتفاق المسلمين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)