والبحر، لأنّها لا تستطيع العيش في البحر دائمًا، فهي من طيور البرّ، فلا تحلّ إلاّ بالتّذكية كما يأتي (ف 41) . ويكره عند الشّافعيّة ابتلاع السّمك حيًّا إذا لم يضرّ، وكذا أكل السّمك الصّغير بما في جوفه، ويجوز قليه وشيّه من غير شقّ بطنه، لكن يكره ذلك إن كان حيًّا، وأيًّا ما كان فلا يتنجّس به الدّهن.
18 -وذهب الحنابلة في الحيوان البرمائيّ، ككلب الماء والسّلحفاة والسّرطان إلى أنّه إنّما يحلّ بالتّذكية. وزادوا بالإضافة للضّفدع استثناء الحيّة والتّمساح، فقالوا بحرمة الثّلاثة: فالضّفدع للنّهي عن قتلها، والحيّة لاستخباثها، والتّمساح لأنّ له نابًا يفترس به. لكنّهم لم يستثنوا سمك القرش فهو حلالٌ، وإن كان له نابٌ يفترس به. والظّاهر أنّ التّفرقة بينهما مبنيّةٌ على أنّ القرش نوعٌ من السّمك لا يعيش إلاّ في البحر بخلاف التّمساح. وقد قالوا: إنّ كيفيّة ذكاة السّرطان أن يفعل به ما يميته، بأن يعقر في أيّ موضعٍ كان من بدنه. وإذا أخذ السّمك حيًّا لم يجز أكله حتّى يموت أو يمات، كما يقول الحنفيّة والحنابلة. ويكره شيّه حيًّا، لأنّه تعذيبٌ بلا حاجةٍ، فإنّه يموت سريعًا فيمكن انتظار موته.
19 -وفي حيوانات البحر مذاهب أخرى: منها أنّ ابن أبي ليلى يقول: إنّ ما عدا السّمك منها يؤكل بشريطة الذّكاة واللّيث بن سعدٍ يقول كذلك أيضًا، غير أنّه لا يحلّ عنده إنسان الماء ولا خنزيره، وعن سفيان الثّوريّ في هذا روايتان:
إحداهما: تحريم ما سوى السّمك كمذهب الحنفيّة.
وثانيهما: الحلّ بالذّبح كقول ابن أبي ليلى.
20 -ودليل الجمهور الّذين أحلّوا كلّ ما يسكن جوف الماء ولا يعيش إلاّ فيه قوله تعالى: {وما يستوي البحران، هذا عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابه وهذا ملحٌ أجاجٌ، ومن كلٍّ تأكلون لحمًا طريًّا} . وقوله سبحانه: {أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسّيّارة} ، فلم يفرّق عزّ وجلّ بين ما يسمّيه النّاس سمكًا وما يسمّونه باسمٍ آخر كخنزير الماء أو إنسانه، فإنّ هذه التّسمية لا تجعله خنزيرًا أو إنسانًا. ومن أدلّة ذلك أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم لمّا سئل عن الوضوء بماء البحر: «هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته» . وهذا دليلٌ على حلّ جميع الحيوان الّذي يسكن البحر سواءٌ أخذ حيًّا أم ميّتًا، وسواءٌ أكان طافيًا أم لا. واستدلّوا أيضًا بحديث دابّة العنبر، وهو حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلمٌ عن أبي الزّبير المكّيّ، قال حدّثني جابرٌ، قال: «بعثنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأمّر علينا أبا عبيدة، نتلقّى عيرًا لقريشٍ، وزوّدنا جرابًا من تمرٍ لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرةً تمرةً. قال أبو الزّبير: فقلت لجابرٍ: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصّها كما يمصّ الصّبيّ، ثمّ نشرب عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى اللّيل. وكنّا نضرب بعصيّنا الخبط، ثمّ نبلّه بالماء ونأكله. قال: وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا كهيئة الكثيب الضّخم، فأتيناه فإذا هو دابّةٌ تدعى العنبر. قال أبو عبيدة: ميتةٌ؟ ثمّ قال: لا، بل نحن رسل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل اللّه تعالى، وقد اضطررتم، فكلوا. فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاثمائةٍ حتّى سمّنّا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدّهن، ونقتطع منه الفدر كالثّور أو كقدر الثّور، فلقد أخذ منّا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا، فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها ثمّ رحل أعظم بعيرٍ معنا فمرّ تحتها. وتزوّدنا من لحمه وشائق. فلمّا قدمنا المدينة أتينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ذلك، فقال: هو رزقٌ أخرجه اللّه تعالى لكم، فهل معكم من لحمه شيءٌ فتطعمونا؟، فأرسلنا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منه فأكله» . فهذا الحديث يستدلّون به: على أربعة أمورٍ:
أوّلًا: على أنّ حيوان البحر من غير السّمك يحلّ أكله في حالتي الاختيار والضّرورة.
ثانيًا: على أنّه لا يحتاج إلى ذكاةٍ.
ثالثًا: على حلّ الطّافي، لأنّه لا يدري هل مات حتف أنفه أو بسبب حادثٍ.
رابعًا: على أنّ صيد المجوسيّ والوثنيّ للسّمك لا تأثير له، لأنّه إذا كانت ميتته حلالًا فصيد المجوسيّ والوثنيّ والمسلم سواءٌ. هذا، والفسيخ إن كان صغيرًا كان طاهرًا في المذاهب الأربعة، لأنّه معفوٌّ عمّا في بطنه، لعسر تنقية ما فيه، وإن كان كبيرًا فهو طاهرٌ عند الحنفيّة والحنابلة وابن العربيّ والدّردير من المالكيّة، خلافًا للشّافعيّة ولجمهور المالكيّة. وإذا اعتبر طاهرًا فإنّ أكله مع تفسّخه والتّغيّر في رائحته يتبع فيه شرعًا رأي الطّبّ في ضرره أو عدمه: فإن قال الأطبّاء الثّقات: إنّه ضارٌّ يكون أكله محظورًا شرعًا لضرره بالصّحّة، وإلاّ فلا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)