ومن المعلوم أن الحلف بغير الله - تعالى - من الشرك الأصغر؛ فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك [19] .
وقال ابن عبد البر - رحمه الله: لا يجوز الحلف بغير الله - عز وجل -
في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه ... إلى أن قال: أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد [20] .
7 -قال البوصيري:
ولا التمست غنى الدارين من يده * * * إلا استلمت الندى من خير مستلم
فجعل البوصيري غنى الدارين مُلتَمسًا من يد النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أن الله - عز وجل - قال:"ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ" [النحل: 53] ، وقال - سبحانه:"فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ" [العنكبوت: 17] ، وقال - تعالى:"قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ" [يونس: 31] ،"قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ" [سبأ: 22] .
وأمر الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة المذكورة في قوله - تعالى:"قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ" [الأنعام: 50] .
8 -قال البوصيري:
فإن لي ذمة منه بتسميتي * * * محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم
وهذا تخرُّص وكذب؛ فهل صارت له ذمة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمجرد أن اسمه موافق لاسمه؟! فما أكثر الزنادقة والمنافقين في هذه الأمة قديمًا وحديثًا الذين يتسمون بمحمد!
و يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيبًا على هذا البيت: قوله: فإن لي ذمة ... إلى آخره كذب على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- فليس بينه وبين اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك [21] .
فالاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة [22] .
9 -وقال البوصيري:
إن لم يكن في معادي آخذًا بيدي * * * فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم
والشاعر في هذا البيت ينزل الرسول منزلة رب العالمين؛ إذ مضمونه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المسؤول لكشف أعظم الشدائد في اليوم الآخر، فانظر إلى قول الشاعر، وانظر في قوله - تعالى - لنبيه -صلى الله عليه وسلم-:"قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" [الزمر: 13] .
ويزعم بعض المتعصبين للقصيدة أن مراد البوصيري طلب الشفاعة؛ فلو صح ذلك فالمحذور بحاله، لما تقرر أن طلب الشفاعة من الأموات شرك بدليل قوله - تعالى:"ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" [يونس: 18] ، فسمى الله - تعالى - اتخاذ الشفعاء شركًا [23] .
10 -وقال:
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به * * * سواك عند حلول الحادث العمم
يقول الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيبًا على هذا البيت:
فتأمل ما في هذا البيت من الشرك:
منها: أنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو.
ومنها: أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية [24] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)