إن الصبر الطويل على المنكرات وأنت غارق في سريتك القاتلة يؤدي إلى الإستئناس يوميا بالجاهلية الطاغية، وأخيرا يؤدي إلى الإلفة التي تمسخ الفطرة ، وتعكس النظرة (كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا معروفا) ، إن الإلفة التي تقتل الحس الإسلامي في القلب هو الداء الذي يصيب كثيرا من الدعاة الصامتين ، بل أكثر من ذلك يؤدي إلى اختلاف الدعاة وتمزق العاملين على هذا النهج ، (لما وقعت بنوا إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا ، فواكلوهم و شاربوهم ، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم) ، ثم تلا صلى الله عليه وسلم الآية {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} (المائدة 78) .
وقال: (كلا لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ، و لتأطرنه على الحق أطرا ، ولتقصرنه على الحق قصرا ، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ويلعنكم كما لعنهم) .
بل وصل الأمر لأكثر من ذلك ، حيث يوسم الذي يغار على الحرمات ويصدع بالحق بالتهور و الاندفاع ، ويوصف الساكت بالتزام و الإتزان!!.
قال لي أحد الدعاة: لقد مكثت في مكتب سنتين مع موظف آخر لم يعرف اتجاهي خلالها، فقلت: إذن لم تتكلم خلال السنتين كلمة واحدة عن الحق الذي تحمله بين جوانحك!!
ترى لو فعل الصحابة كما يفعل كثير من الدعاة السريين اليوم، هل تظنون أن الإسلام خرج من حدود مكة؟!
لو سكت بلال، وراوغ ياسر وسمية واستسلم ظاهرا عثمان بن مظعون ، وقبل أبو بكر بشرط ابن الدغنة - الذي أجار أبا بكر بشرط ألا يرفع صوته في القرآن لأن صوته مؤثر بأبناء الحي من قريش - أقول لو سكت هؤلاء أمام طغيان الجاهلية وجبروتها ، فإن الإسلام لا يمكن أن يخرج من بطحاء مكة ويتجاوز الحروراء.