التي أنزل بها، من حيث مفرداتها تعريفا وتصريفا، وتراكيبها، وأساليبها، وغير ذلك، ولا يتأتى ذلك إلا ببيان هذه الأمور. وأبو حيان لم يأت بما قيل في ذلك كله، بل أتى بما يفيد، ولو أتى بكل ما قيل لزاد حجم كتابه أضعافا كثيرة، وكان يحيل بعد ذلك.
الخامس: صحيح أن البحر المحيط من التفاسير الكبيرة بالنسبة إلى غيره، وهذا لا يعاب به، بل يدعى لمؤلفه بالرحمة. والمغفرة، لما قدمه لأمته الإسلامية في هذا التفسير الذي عكف عليه بقية عمره خادما فيه كتاب الله عز وجل، حاويا الشيء الكثير مما ضاع مع مرور الأزمان، فرحم الله أبا حيان وجزاه عن الأمة الإسلامية خير الجزاء.
أما قوله «ونكبت فيه عن ذكر ما في البحر .... » لا يدل على أنه يعيب تفسيره «البحر المحيط» ، لكن هكذا شأن المختصرات، الإيجاز والاقتصار على بعض المسائل، واختيار
الأعاريب الراجحة دون ذكر خلاف أو تفصيل.
كما أن هذه الأعاريب المتكلفة التي نكب عنها في النهر الماد ليست له، إنما هي من غيره، فقد قال مرة في البحر: «ولولا شهرة قائلها لضربت عن ذكرها صفحا» «1» . فهو في النهر الماد اختار ما يراه هو حسب منهجه الذي ذكره- وسيأتي الحديث عنه مفصلا-، وترك الأعاريب الأخرى المتكلفة.
والأستاذ الكاتب- غفر الله له- لم يذكر أول كلام أبي حيان في النهر الذي أثنى فيه على تفسيره «البحر المحيط» مبينا سبب تأليف «النهر الماد» بقوله «2» : «وبعد فإني لما صنفت كتابي الكبير المسمى بالبحر المحيط في علم التفسير عجز عن قطعه لطوله السابح، وتفلت له عن اقتناصه البارح «3» منه
(1) البحر المحيط 1/ 128.
(2) النهر الماد بهامش البحر المحيط 1/ 4 - 8.
(3) البارح: ما مر من الصيد من ميامنك إلى مياسرك، عبارة عن الشؤم، القاموس «برح» ، 1/ 215.