قال سيد قطب: في- (في ظلال القرآن -(1/ 523) -معلقًا على قول الله تعالى:"وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [آل عمران:176 - 177] .
[ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئًا يريد الله ألا يجعل لهم حظًا في الآخرة ولهم عذاب عظيم] .
إنه يواسي النبي -صلى الله عليه وسلم- ويدفع عنه الحزن الذي يساور خاطره; وهو يرى المغالين في الكفر يسارعون فيه ويمضون بعنف واندفاع وسرعة كأنما هنالك هدف منصوب لهم يسارعون إلى بلوغه!
وهو تعبير مصور لحالة نفسية واقعية. فبعض الناس يرى مشتدًا في طريق الكفر والباطل والشر والمعصية; كأنه يجهد لنيل السبق فيه! فهو يمضي في عنف واندفاع وحماسة كأن هناك من يطارده من الخلف أو من يهتف له من الإمام إلى جائزة تُنال!
وكان الحزن يساور قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حسرة على هؤلاء العباد; الذين يراهم مشمرين ساعين إلى النار وهو لا يملك لهم ردًا وهم لا يسمعون له نذارة! وكان الحزن يساور قلبه كذلك لما يثيره هؤلاء المشمرون إلى النار المسارعون في الكفر من الشر والأذى يصيب المسلمين ويصيب دعوة الله وسيرها بين الجماهير التي كانت تنتظر نتائج المعركة مع قريش لتختار الصف الذي تنحاز إليه في النهاية .. فلما أسلمت قريش واستسلمت دخل الناس في دين الله أفواجا .. ومما لا شك فيه أنه كان لهذه الاعتبارات وقعها في قلب الرسول الكريم. فيطمئن الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- ويواسي قلبه ويمسح عنه الحزن الذي يساوره.
وهؤلاء العباد المهازيل لا يبلغون أن يضروا الله شيئًا، والأمر في هذا لا يحتاج إلى بيان، إنما يريد الله سبحانه أن يجعل قضية العقيدة قضيته هو; وأن يجعل المعركة مع المشركين معركته هو،ويريد أن يرفع عبء هذه العقيدة وعبء هذه المعركة عن عاتق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعاتق المسلمين جملة.
فالذين يسارعون في الكفر يحاربون الله وهم أضعف من أن يضروا الله شيئًا، وهم إذن لن يضروا دعوته، ولن يضروا حملة هذه الدعوة، مهما سارعوا في الكفر ومهما أصابوا أولياء الله بالأذى.
إذن لماذا يتركهم الله يذهبون ناجين وينتفشون غالبين وهم أعداؤه المباشرون؟
لأنه يدبر لهم ما هو أنكى وأخزى! (يريد الله ألا يجعل لهم حظًا في الآخرة) .
يريد لهم أن يستنفدوا رصيدهم كله; وأن يحملوا وزرهم كله، وأن يستحقوا عذابهم كله، وأن يمضوا مسارعين في الكفر إلى نهاية الطريق!
(ولهم عذاب عظيم) ولماذا يريد الله بهم هذه النهاية الفظيعة؟ لأنهم استحقوها بشرائهم الكفر بالإيمان.
(إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئًا ولهم عذاب أليم) ولقد كان الإيمان في متناول أيديهم، دلائله مبثوثة في صفحات الكون وفي أعماق الفطرة، وأماراته قائمة في «تصميم» هذا الوجود العجيب وفي تناسقه وتكامله الغريب، وقائمة كذلك في «تصميم» الفطرة المباشرة، وتجاوبها مع هذا الوجود، وشعورها باليد الصانعة، وبطابع الصنعة البارعة ..
ثم إن الدعوة إلى الإيمان -بعد هذا كله- قائمة على لسان الرسل، وقائمة في طبيعة الدعوة وما فيها من تلبية الفطرة ومن جمال التناسق ومن صلاحية للحياة والناس ..
أجل كان الإيمان مبذولًا لهم فباعوه واشتروا به الكفر على علم وعن بينة، ومن هنا استحقوا أن يتركهم الله يسارعون في الكفر؛ ليستنفدوا رصيدهم كله ولا يستبقوا لهم حظًا من ثواب الآخرة.
ومن هنا كذلك كانوا أضعف من أن يضروا الله شيئًا، فهم في ضلالة كاملة ليس معهم من الحق شيء، ولم ينزل الله بالضلالة سلطانًا; ولم يجعل في الباطل قوة، فهم أضعف من أن يضروا أولياء الله ودعوته بهذه القوة الضئيلة الهزيلة مهما انتفشت ومهما أوقعت بالمؤمنين من أذى وقتي إلى حين!
(ولهم عذاب أليم) أشد إيلامًا -بما لا يقاس- مما يملكون إيقاعه بالمؤمنين من آلام!
ـ [عمر المقبل] ــــــــ [05 Dec 2006, 03:54 م] ـ
الحلقة الخامسة عشرة
(يُتْبَعُ)