ـ [عمر المقبل] ــــــــ [05 Dec 2006, 03:49 م] ـ
الحلقة الثانية عشرة
قال سيد قطب ـرحمه الله ـ في ظلال القرآن (2/ 683) في تعليقه على قوله تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا" [النساء:56 - 57] .
(كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب) إنه مشهد لا يكاد ينتهي، مشهد شاخص متكرر، يشخص له الخيال، ولا ينصرف عنه! إنه الهول، وللهول جاذبية آسرة قاهرة!
والسياق يرسم ذلك المشهد ويكرره بلفظ واحد .. «كلما» .. ويرسمه كذلك عنيفًا مفزعًا بشطر جملة (كلما نضجت جلودهم) ، ويرسمه عجيبًا خارقًا للمألوف بتكملة الجملة (بدلناهم جلودًا غيرها) ..
ويجمل الهول الرهيب المفزع العنيف كله في جملة شرطية واحدة لا تزيد!
ذلك جزاء الكفر - وقد تهيأت أسباب الإيمان -وهو مقصود،وهو جزاء وفاق: (ليذوقوا العذاب) .. ذلك، أن الله قادر على الجزاء. حكيم في توقيعه: (إن الله كان عزيزًا حكيمًا) .
وفي مقابل هذا السعير المتأجج، وفي مقابل الجلود الناضجة المشوية المعذبة .. كلما نضجت بدلت؛ ليعود الاحتراق من جديد، ويعود الألم من جديد، في مقابل هذا المشهد المكروب الملهوف، نجد (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) في جنات ندية: (تجري من تحتها الأنهار) .
ونجد في المشهد ثباتًا وخلودًا مطمئنًا أكيدًا: (خالدين فيها أبدًا) ونجد في الجنات والخلد الدائم أزواجًا مطهرة: (لهم فيها أزواج مطهرة) .. ونجد روح الظلال الندية؛ يرف على مشهد النعيم: (وندخلهم ظلًا ظليلًا) .
تقابل كامل في الجزاء، وفي المشاهد، وفي الصور، وفي الإيقاع .. على طريقة القرآن في «مشاهد القيامة» ذات الإيحاء القوي النافذ العميق. انتهى.
ـ [عمر المقبل] ــــــــ [05 Dec 2006, 03:51 م] ـ
الحلقة الثالثة عشرة
قال سيد قطب -رحمه الله- في ظلال القرآن (1/ 172) في تعليقه على قوله تعالى:"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" [البقرة:186] .
(وقبل أن يمضي السياق في بيان أحكام تفصيلية عن مواعيد الصيام، وحدود المتاع فيه وحدود الإمساك. . نجد لفتة عجيبة إلى أعماق النفس وخفايا السريرة، نجد العوض الكامل، الحبيب، المرغوب عن مشقة الصوم، والجزاء المعجل على الاستجابة لله .. نجد ذلك العوض، وهذا الجزاء في القرب من الله، وفي استجابته للدعاء .. تصوره ألفاظ رفافة شفافة تكاد تنير:(وإذا سألك عبادي عني، فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان. فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) ..
(فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) أية رقة؟ وأي انعطاف؟ وأية شفافية؟ وأي إيناس؟ وأين تقع مشقة الصوم ومشقة أي تكليف في ظل هذا الود؟ وظل هذا القرب؟ وظل هذا الإيناس؟ وفي كل لفظ في التعبير في الآية كلها تلك النداوة الحبيبة:
(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعان) إضافة العباد إليه، والرد المباشر عليهم منه .. لم يقل: فقل لهم: إني قريب .. إنما تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال .. قريب .. ولم يقل أسمع الدعاء .. إنما عجل بإجابة الدعاء:"أجيب دعوة الداع إذا دعان ..".
إنها آية عجيبة .. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين .. ويعيش منها المؤمن في جناب رضيّ، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين.
وفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الوحية .. يوجه الله عباده إلى الاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح (فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) فالثمرة الأخيرة من الاستجابة والإيمان هي لهم كذلك، وهي الرشد والهدى والصلاح، فالله غني عن العالمين) انتهى كلامه رحمه الله.
ـ [عمر المقبل] ــــــــ [05 Dec 2006, 03:52 م] ـ
الحلقة الرابعة عشرة
(يُتْبَعُ)