فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 7737 من 53113

دراسة لأقوال المفسرين في المراد بـ:(أمرنا مترفيها)مع التعقيب على رأي ابن القيم

ـ [أبومجاهدالعبيدي] ــــــــ [25 Aug 2006, 11:48 م] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: ? وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ? (الاسراء:16)

قرر ابن القيم أن الأمر في قول الله تعالى هنا: ? أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ? هو الأمر الكوني القدري، لا الأمر الشرعي، وبيّن أن هذا التفسير أرجح من تفسير من فسّر الآية بقوله:"أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا"من وجوه كثيرة.

قال رحمه الله وهو يذكر الأمثلة من القرآن على الأمر الكوني:

(وقوله: ? وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ?، فهذا أمر تقدير كوني لا أمر ديني شرعي؛ فإن الله لا يأمر بالفحشاء. والمعنى: قضينا ذلك وقدرناه.

وقالت طائفة: بل هو أمر ديني. والمعنى: أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا.

والقول الأول أرجح لوجوه:

أحدها: أن الإضمار على خلاف الأصل؛ فلا يصار إليه إلا إذا لم يمكن تصحيح الكلام بدونه.

الثاني: أن ذلك يستلزم إضمارين، أحدهما: أمرناهم بطاعتنا، والثاني: فخالفونا أو عصونا، ونحو ذلك.

الثالث: أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه، كقولك: أمرته ففعل، وأمرته فقام، وأمرته فركب؛ لا يفهم المخاطب غير هذا.

الرابع: أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور. ومن المعلوم أن أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك، بل هو سبب للنجاة والفوز.

فإن قيل: أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك.

قيل: هذا يبطل بالوجه الخامس: وهو أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين، بل هو سبحانه يأمر بطاعته واتباع رسله المترفين وغيرهم؛ فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة للمترفين.

يوضحه الوجه السادس: أن الأمر لو كان بالطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم. ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال: أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها؛ فإن الإرسال لو كان إلى المترفين لقال من عداهم: نحن لم يرسل إلينا.

السابع: أن إرادة الله سبحانه لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم، وإلا فقبل ذلك هو لا يريد إهلاكهم، لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم، قال تعالى: ? ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ? (الأنعام:131) ، فإذا أرسل الرسل فكذبوهم أراد إهلاكها، فأمر رؤساءها ومترفيها أمرًا كونيًا قدريًا - لا شرعيًا دينيًا - بالفسق في القرية، فاجتمع على أهلها تكذيبُهم وفسقُ رؤسائهم؛ فحينئذ جاءها أمر الله، وحق عليها قوله بالإهلاك.) ( [1] )

وقال في موضع آخر: (ونظير هذا لفظ الأمر؛ فإنه نوعان: أمر تكوين، وأمر تشريع. والثاني قد يعصى ويخالف، بخلاف الأول، فقوله تعالى: ? وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ? لا يناقض قوله: ? إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ?(لأعراف: من الآية28) ، ولا حاجة إلى تكلف تقدير: أمرنا مترفيها بالطاعة فعصونا وفسقوا فيها، بل الأمر ههنا أمر تكوين وتقدير، لا أمر تشريع، لوجوه:

أحدها: أن المستعمل في مثل هذا التركيب أن يكون ما بعد الفاء هو المأمور به، كما تقول: أمرته فقام، وأمرته فأكل، كما لو صرح بلفظه:» أفعل «، كقوله تعالى: ? وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ? (البقرة: من الآية34) ، وهذا كما تقول: دعوته فأقبل. وقال تعالى: ? يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ? (الإسراء: من الآية52) .

الثاني: أن الأمر بالطاعة لا يختص بالمترفين؛ فلا يصح حمل الآية عليه، بل تسقط فائدة ذكر المترفين؛ فإن جميع المبعوث إليهم مأمورون بالطاعة فلا يصح أن يكون أمر المترفين علة إهلاك جميعهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت