ـ [زهير هاشم ريالات] ــــــــ [24 Jul 2007, 08:24 ص] ـ
أثناء تطواف الواحد منا في كتب التفسير؛ يصدفه بعض اللطائف والنكت متفرقة هنا وهناك. واصطيادها وتقييدها مما يعين على الاستفادة منها؛ حتى لا تضيع وسط هذا الكم الكبير مما نقرأ ونسمع.
ولأن زكاة العلم في نشره؛ أحببت أن أشارك إخواني وأخواتي في كنوز عثرت عليها وأنا أعيش مع كتب التفسير؛ ولا يظنن أحد أن صفة (الإيثار) هي التي دفعتني لهذا الأمر؛ فبضاعتي العلمية مزجاة؛ إنما هو (الطمع) في استثارة علمائنا أعضاء الملتقى ليخرجوا لنا بضاعتهم التي في رحالهم؛ فأوفوا لنا الكيل وتصدقوا علينا إن الله يجزي المتصدقين!!!
والآن مع اللطيفة الأولى
التطور التاريخي للكلمة
يتميز الشهاب الخفاجي -في حاشيته على تفسير البيضاوي- بوقوفه على التطور التاريخي للكلمة، وبيان التدرج في استعمالها عبر الفترات التي مرَّت بها اللغة العربية. والأمثلة على بيانه لأصل المفردة وتطورها في الاستعمال كثيرة اخترت منها المثالين التاليين:
المثال الأول: كلامه عن أصل الوضع اللغوي لكلمة: (الكتاب) وتطور معناها. قال الشهاب - في تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:2] -: قال الراغب (أي في كتابه"المفردات") :"الكَتْبُ: ضم أديم إلى أديم بالخياطة، يقال: (كتبت السقاء) . وفي المتعارف: ضم الحروف بعضها إلى بعض، والأصل في الكتابة: النظم بالخط. وقد يقال ذلك للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ، لكن قد يستعار كل واحد للآخر؛ ولذا سُمِّي (كتاب الله) وإن لم يكن كتابًا ..."وحاصله أن أصل حقيقته في اللغة: مطلق الضم، ثم خُصَّ بفرد منه وهو ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط، وصار حقيقة فيه لغة أيضًا، ثم شاع في عرف اللغة إطلاقه على الخط والصحيفة المكتوب فيها، فلا يسمى قبل الكتابة كتابًا.
المثال الثاني: قال تعالى: {وَابْتَلُواْ اليَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِكَاحَ فِإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] . توقف الشهاب عند كلمة: {آنَستُمْ} وتكلم عن معنى الإيناس فقال: أصل معنى الإيناس: النظر من بُعد مع وضع اليد على العين إلى قادم ونحوه مما يُؤنس به، ثم عمَّ في كلامهم. قال الشاعر:
آنستْ نبأةً وأفزعها القناص عصرًا وقد دنا الإمساء
أي: أحست أو أبصرت ... ثم استعير للتبين؛ أي: علم الشيء بيّنًا؛ إذ الرُّشْد مما يُعلم ولا يُبصر.
ـ [زهير هاشم ريالات] ــــــــ [25 Jul 2007, 08:13 ص] ـ
اللطيفة الثانية
إسناد الإرادة في قصة موسى والخَضِر عليهما السلامفي قصة موسى والخَضِر عليهما السلام التي جاءت في سورة الكهف (*) ؛ نرى أن الخضر عَلَّلَ خَرْقَه للسفينة بقوله: {فأردتُ أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا} [الآية:79] ، وعلل قَتْلَه للغلام بقوله: {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رُحمًا} [الآية:81] ، وعلل إقامته لجدار اليتيمين بقوله: {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما} [الآية:82] .
في الآيات السابقة نرى إسنادَ الخضر الإرادةَ أولًا إلى نفسه: {فأردتُ} ، وثانيًا إلى الله وإلى نفسه: {فأردنا} ، وثالثًا إلى الله وحده: {فأراد ربك} ! ونحن نعلم أنه ما من لفظ -بل ما من حرف- في القرآن يمكن أن يقوم غيره مقامه. فما سر هذا التغاير في الإسناد؟! هذا ما حاول المفسرون الإجابة عنه، وقد اخترتُ بعض أقوالهم مما ذكره الآلوسي رحمه الله في تفسيره"روح المعاني"..
قال رحمه الله ما مختصره: قيل: ولعل إسناد الإرادة أولًا إلى ضمير المتكلم وحده أنه الفاعل المباشر للتعييب، وثانيًا إلى ضمير المتكلم ومعه غيره؛ لأن إهلاك الغلام بمباشرته وفعله، وتبديل غيره موقوف عليه وهو محض فعل الله وقدرته. وثالثًا إلى الله تعالى وحده؛ لأنه لا مدخل له عليه السلام في بلوغ الغلامين.
وقيل: إن الأول شر؛ فلا يليق إسناده إليه سبحانه وإن كان هو الفاعل جل وعلا، والثالث خير؛ فأفرد إسناده إلى الله عز وجل. والثاني ممتزج خيره -وهو تبديله بخير منه- وشره -وهو القتل-؛ فأسند إلى الله تعالى وإلى نفسه نظرًا لهما.
(يُتْبَعُ)