ولربما جاء الرسم المصحفي (العثماني) بما يخالف القياس المتبع كما في قوله تعالى: (إنا اعتدنا للكافرين سلاسلًا وأغلالًا وسعيرا) (الإنسان: 4) فالرسم العثماني لكلمة (سلاسلا) ورسمها بالألف من غير تنوين وكان من حقها أن تكتب من غير ألف ولا يَصحُّ في تعليل ذلك أن الكتابة العربية لم تكن قد استوفت شكلها النهائي يوم أن كُتب المصحف العثماني ذلك لأن ألفاظًا وردت في القرآن الكريم على صيغة (فعائل) أو (مفاعل) ولم تكتب بالألف مثل قوله تعالى: (كنّا طرائقَ قِددا) (الجن: 11) ... فلو كان ذلك عن نقصٍ في رسم الكتابة لأخذت أمثال هذه الصيغ شكلًا واحدًا لكونها ممنوعة من الصرف فما الحكمة من هذا الرسم بهذه الصورة؟ إن الألف الزائدة قد زيدت عن قصدٍ ولحكمةٍ تُراد لها وهي أن هذه الألف تشير إلى معنى مضمر في كلمة (سلاسلا) وأنها سلاسل طويلة جاوزت في طولها الحد المعروف للسلاسل التي يقيد بها الحيوان أو الإنسان (( 54 ) )، قال تعالى: (في سلسلةٍ ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه) (الحاقة: 32) ذلك أن الألف تحتمل مدَّ الصوت بها وامتداده وإطالته كما طالت تلك السلاسل طولًا غريبًا (( 55 ) ).و من ذلك قوله تعالى: (ممّا خطيئتهم أغرقوا فادخلوا نارًا) (نوح: 25) فـ (ما) التي عدّها النحاة في مثل هذا زائدة (( 56 ) )أصلية مؤدية لاستكمال المعنى المراد غير أنهم لم يلحظوا ذلك من جهة الجرس وإنما لحظوه من جهة الوضع اللغوي فقط إذ كان لهذا المد الموحي جرسه بالتفخيم دلالة على عظم الخطيئات التي أغرقت قوم نوحٍ عليه السلام (( 57 ) ).
د) لظل المفردة: لا بد من الفصل ما بين جرس اللفظة وظلها والذي كثيرًا ما تُصورّ أنه واحدٌ لأن الجرس خاص بالصوت والموسيقى أما الظل فهو استدعاء صورة المدلول الحسي (( 58 ) )إلا أن الأسلوب القرآني كثيرًا ما كان يقرن جرس المفردة بظلها قال تعالى: (قلوبٌ يومئذٍ واجفة) (النازعات: 8) أي خائفة (( 59 ) )فلماذا عَدَلَ القرآن عن خائفة إلى واجفة؟ ولعل في فهم السياق ما يعطي إجابة وافية عن هذا السؤال فالآيات السابقة (يوم تتبعها الرادفة …) (النازعات: 6 - 7) عبّرت عن سرعة الوقوع والتتابع فلو قيل (خائفة) بدلًا من (واجفة) لما ناسبت من الناحية الصوتية معاني سابقاتها ولما اتسقت معها، ذلك أن صوت المدّ فيها ما كان مناسبًا هنا سرعة السياق * لذلك تمّ العدول عن تسمية القيامة بما فيه مدّ من الأسماء ويتأكد لنا من خلال بقية الأسماء التي غالبًا ما جاء فيها المد مثل الحآقّة والصآخّة والطآمّة على أن هذا الملحظ الصوتي ليس منعزلًا عن ملحظٍ إيحائي من ظل المفردة لأن (وجف) في هذا السياق أكثر دلالةً وإيحاء من (خاف) فبالإضافة إلى معنا الخوف فإنها تدل على
(السرعة والاضطراب) فـ (الوجيف سرعة السير وأوجفتُ البعيرَ أسرعته قال تعالى:(فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركابٍ) (الحشر: 6) قال تعالى: (قلوبٌ يومئذٍ واجفة) أي مضطربة) (( وبهذا تكون(واجفة) أولى في الاستخدام، فاللفظ المستخدم إذا كان له معنى عام ومعنى خاص كان الأولى حمله على العام لتضمنه الخاص (( 60 ) )فإذا كان هذا في تفسير النص فهو أولى بالاستخدام أصلًا إذا كان يحقق غاية السياق. ومن ذلك تعبير القرآن حين يصوّر هدوء الليل وسكونه بالعسعسة تارة وبالسجو أخرى وبالسريان ثالثة مُزاوجًا في تصوير الحركة المتخلية لامتداد الليل بهدوء ما بين الدلالة الوضعية للألفاظ وبين إيحائها الموسيقي في السمع فيقول الله تعالى: (والليل إذا عسعس) (التكوير: 17) وقال تعالى: (والليل إذا سجى) (الضحى: 2) وقال تعالى: (والليل إذا يسر) (الفجر: 4) وهو إيحاء عجيب لا يوجد في العبارة المؤدية للمعنى (أقبل بظلامه) (( 61 ) )وقد جعل الرافعي من صوت الحس الذي هو اجتماع جرس المفردة (صوت النفس) وظلها (صوت العقل) معيارًا للبلاغة فعلى مقدار ما يكون في الكلام البليغ من هذا الصوت يكون فيه من روح البلاغة وهو روح الإعجاز في القرآن الكريم (( 62 ) )لذلك أصبح الليل جرسًا وظلًا إيحائيًا مفهومًا للنعمة والجمال والطمأنينة على الرغم من ارتباطه في شعر غير واحدٍ من شعراء قبل الإسلام بالهموم والآلام النفسية المبرحة كما هو عند امريء القيس (( 63 ) )وبهذا يتكون لدينا ما يشبه
(يُتْبَعُ)