وتجاهل بعض الناس هذه الحقيقة البسيطة في اندفاعهم لجعل القرآن المرجع الوحيد لما حدث ويحدث في العالم. فالبروفسير حميد الله يذكر في مقدمة ترجمته للقرآن الى اللغة الفرنسية أن الله ذكر القلم في أول سورة أُنزلت على النبي، ليؤكد أهمية القلم كأداة في تطور علم الانسان. ويستمر البروفسير ويقول إن هذا يؤكد كذلك اهتمام النبي بجمع القرآن وحفظه مكتوبًا [138] . وطبعًا البروفسير حميد الله قد نسى أن العلماء قد قدروا أن ألانسان البدائي ظهر على هذه الارض قبل حوالي سبعة ملايين من السنين، وتعلم اثناء تطوره الصيد وصناعة ألالآت وصناعة القوارب والحراب، وتعلم كذلك ان ينظم الشعر وان يرسم وتعلم فن القصص (الفولكلور الشعبي) وصناعة الملابس واشياء أخرى مثل اكتشاف النار والزراعة، ألاف السنين قبل أن يتعلم القراءة ويخترع القلم.
ويتفق العلماء أن اختراع اللغة هو الذي سهّل للانسان الاتصال بالناس الآخرين ونقل الافكار بينهم، وبالتالي تكون اللغة هي أداة تقدم ألانسان وليس القلم كما يقول بروفسير حميد الله. وإذا كان القلم والقراءة بهذه الاهمية عند الله حتى انه ذكر القلم في أول سورة انزلها على النبي، لماذا أختار الله رسولًا أميًا لا يقرأ ولا يكتب، حسب زعم المسلمين؟
وبما أن القرآن لم يكن يُكتب في البداية، وكان أعتماد المسلمين على الذاكرة، كان الاعتماد على السجع أفضل وسيلة لمساعدتهم على حفظه. ولكن مشكلة السجع تكمن في التكرار خاصة اذا كانت السورة طويلة، لان الساجع يجد صعوبة في ايجاد كلمات كثيرة متماشية مع القافية. فنجد أن السور الطويلة يتغير فيها السجع عدة مرات، وتتكرر بعض الكلمات عدة مرات، وفي بعض الاحيان يشتق القرآن بعض الكلمات اشتقاقًا على غير المعهود لتماشي السجع.
فإذا أخذنا مثلًا سورة مريم، من ألآية الثانية حتى ألآية الثالثة والثلاثين نجد آخر كلمة من كل آية تنتهي ب"يا"
2 -"ذكرُ رحمة ربك عبده زكريا"
3 -"إذ نادى ربه نداءً خفيا"
ثم في ألآيتين 34 و35 تتغير القافية الى"ون"
34 -"ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون"
35 -"ما كان لله أن يتخذ من ولدٍ سبحانه إذا قضى شيئًا أن يقول له كن فيكون"
ثم تتغير الى"ميم"في ألآيتين 36 و 37
36 -"وإن الله ربي وربكم فأعبدوه هذا سراط مستقيم"
37 -"فأختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يومٍ عظيم"
ثم ترجع الى النون مرة أخري في ألآيات 38 و 39 و 40
40 -"إنا نحن نرث الارض ومن عليها والينا يرجعون"
ثم نرجع للقافية الاولى"يا"في ألآيات من 41 الى 74
41 -"واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقًا نبيا"
ثم تتغير القافية الى"دا"مثل جُندًا و ولدًا الى نهاية السورة.
وادخال آيتين أو ثلاثة في منتصف السورة بسجع يختلف عن معظم آيات السورة حمل بعض الدارسين الى القول بأن هذه ألآيات أُضيفت الى السورة لاحقًا ولم تكن جزءً منها في البداية.
ونجد في نفس سورة مريم تكرارًا غير مفيد. فعندما يتحدث القرآن عن زكريا وأبنه يحيي، يقول عن ألاخير:"سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يُبعث حيا" [139] . ثم نجد ألآية مكررة عندما يتحدث عن عيسى:"والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أُبعث حيا" [140] .
وفي ألآية 10 من نفس السورة:"قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام سويًا"وفي ألآية 17 كذلك:"فأرسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويا". وفي ألآية 68 نجد:"فوربك لنحشرهم والشياطين ثم لنحضرهم حول جهنم جثيا"، وفي ألآية 72:"ثم ننجي الذين آمنوا ونذر الظالمين فيها جثيا". وواضح أن التكرار هنا لصعوبة ايجاد كلمات اخرى تماشي السجع.
واشتقاق الكلمات على غير المعهود نجده في ألآية 74 من نفس السورة:"وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثًا ورءيًا". والاشتقاق هنا غريب لانه من رأى والمصدر رؤية، ولكن لتماشي الكلمة السجع قال"رءيا". و لغرابة الاشتقاق وجد المفسرون صعوبة في شرح الكلمة، فقال القرطبي في تفسيره: (قال ابن عباس"ورئيا"اي منظرًا حسنًا. وفيه خمس قراءات: قرأ أهل المدينة"وريا"بياء واحدة مخففة. و روى ألاعمش عن ابن عباس"أحسن أثاثًا وزيا"بالزاي. وقرأ أهل الكوفة"ورئيا"بالهمزة. وقال أبو أسحق يجوز"وهم أحسن أثاثًا وريئا"بياء بعدها همزة) .
(يُتْبَعُ)