وهذه صفة ما لقي أبو الطيب في ذلك اليوم الذي رويناه لك. فانظر إلى هذا الانتقال الذي يدل دلالة واضحة على ما في ضمير الرجل , وما كان من سبب تلك الحادثة التي كادت تودي بحياته , ثم أنظر الترفق في قوله (لا يتحفوك بغير البيض و الأسل) , وذلك لما بينه وبين أبي العشائر من المودة و المحبة , فهو يجعل أداة القتل (تحفة) , وقد قال لأبي العشائر في هذه الحادثة نفسها أبياتًا تدل على حبه له , وتقرب إليك بيان هذا المعنى , وقد مضى ذكرها , و يقول له في آخرها:
فإن كان يبغي قتلها , يكُ قاتلًا بكفيه , فالقتل الشريف شريف
و في تلك السنة نفسها , سنة 341هـ , يقول أبو الطيب ما نقلناه في رأس هذا الباب:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي وللحب ما لم يبق مني و ما بقي
فعلى ما نذهب إليه من شدة تأثير الحوادث في أبي الطيب نفسه , واستخراجه معاني شعره من تلك الحوادث , وتهجمه دائمًا على ذكر الحوادث القريبة , تجد في هذه القصائد ما يشير إلى هذه الواقعة وما لقي فيها من الكيد.
و الظاهر أن هذه الجفوة التي كانت في سنة 341هـ , امتدت إلى أوائل سنة 342 هـ , وكان من جرّائها أن انقطع أبو الطيب مدة عن مدح سيف الدولة فاستبطأه و تنكر له , فركب سيف الدولة يومًا في رجاله , وقدم عليه أبو الطيب راكبًا مهره , فلما سلّم عليه ازورّ عنه و أعرض , فقال أبو الطيب:
أرى ذلكَ القُرْبَ صارَ ازْوِرارَا وَصارَ طَوِيلُ السّلامِ اختِصارَا
تَرَكْتَنيَ اليَوْمَ في خَجْلَةٍ أمُوتُ مِرارًا وَأحْيَا مِرارَا
أُسَارِقُكَ اللّحْظَ مُسْتَحْيِيًا وَأزْجُرُ في الخَيلِ مُهري سِرارَا
وَأعْلَمُ أنّي إذا ما اعتَذَرْتُ إلَيْكَ أرَادَ اعْتِذاري اعتِذارَا
كَفَرْتُ مَكارِمَكَ البَاهِرا تِ إنْ كانَ ذلكَ مني اخْتِيارَا
ثم يذكر العلة في ذلك الانقطاع عن مدحه فيقول:
وَلَكِنْ حَمَى الشّعْرَ إلاّ القَليـ ـلَ هَمٌّ حَمَى النّوْمَ إلاّ غِرارَا
وَما أنَا أسقَمْتُ جسمي بِهِ وَلا أنَا أضرَمتُ في القلبِ نَارَا
فَلا تُلزِمَنّي ذُنُوبَ الزّمَانِ، إلَيّ أسَاءَ وَإيّايَ ضَارَا
و هذا الهم الذي يسقم الجسم و يضرم نارًا في القلب , ولا يملك له الإنسان ردًا , لا يكون إلا هذا الحب العنيف الذي تتقطع دونه الآمال , ولا يكون هذا الهم إلا ذلك , فإن أبا الطيب كان ممتّعًا بكل شيء في ظل سيف الدولة , فقد كان صاحب إقطاع ومال كثير قد أسبغه عليه سيف الدولة. ثم أنظر ما في قوله في بيته الأخير , من الجزع المشوب بالعزة والترفع , والرقة أيضًا.
و حسبك هذا من شعره وهو في جوار سيف الدولة , ثم أنظر إلى أثر هذا الحب في شعره بعد فراق سيف الدولة , فإنه أدلّ و أبلغ في الكشف عن سر قلبه , ولا بأس في أن نسرد لك ذلك على ما وقع في ترتيب ديوانه.
فمن آثار هذا الحب في شعر أبي الطيب , ما وقع في قصيدته الأولى التي أنشدها كافورًا في جمادى الآخرة سنة 346هـ , حين قدم عليه بالفسطاط. وقد رأيت قبل أننا نتعرض لعاطفة أبي الطيب في شعره إلى أن اتصل بسيف الدولة , فإذا أنت عدت إلى شعره في ذلك العهد الأول , لم تجد فيه إلا قسوة و شدة وعنفًا ليس لشعر, وقلّما لان الرجل أو ترقّق إلا متكلفًا الغزل. وكان قد فارق قبل سيف الدولة رجالًا أحبهم وصحبهم و باذلهم مكنون صدره من الودّ , ولم يظهر في شيء من شعره بعد فراقهم أثرٌ لهذا الفراق إلا قليلًا. و لكنه حين فارق سيف الدولة ودخل مصر اختلف الأمر اختلافًا بينًا , و ظهرت في شعره رقة لا عهد له بها , ولا تكون العلة في هذه الرقة التي ظهرت فيه بعد أن جاوز الأربعين , واستحكم و استمر مريره , واستوت طبيعته على طريقة من القوة و التشدد والاستمساك =لا تكون من أجل فراقه سيف الدولة وحسب , فإن ذلك الفراق بين (الرجلين) لا يعمل في تغيير الطبيعة المتأصلة كل هذا العمل. وليس لشيء من العمل في تغيير الطبائع و تبديلها مثل ما للحب في القدرة على ذلك. وكان أبو الطيب حين فارق سيف الدولة , يتلفَّتُ قلبه على تلك التي خلّفها من ورائه , وخلّف عنده قلبه و عواطفه , فأثار ذلك في قلبه ذكرى و آلامًا , جعلت الدنيا تضيق بها نفسه و تضجر منها.
(يُتْبَعُ)