فالطاغية كالقابل بالطغيان، والظالم كمن ارتضى الظلم، فالنار هي للاثنين معًا، وهذا الحكم نراه في قول الله تعالى:"ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكم النار". وقوله تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءتْ مَصِيرًا (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا" [1] .
لقد نهى الله تعالى عباده عن التظالم فيما بينهم وكيف لا وهو الذي حرَّم الظلم للناس حتى على نفسه جل جلاله؟! ولأن النهي عن الطغيان وعن التسليم للظالم بيِّن مأمور به، فإن الإنسان هو المسئول وحده عن إيجاد صيغ الحكم الاستبدادي، ونمط العلاقات الاجتماعية التي يعيش فيها صيف وشتاء على سقف واحد، ويقيم فيها ظالم ومظلوم في آن واحد. إن اتباع قانون الحكم بالعدل المأمور به شرعًا، والتزام المؤمن لخط الحركة الجهادية ضد كل منكر هما سفينة النجاة للإنسان ولمجتمعه، ومعاكسة ذلك مدعاة لسيادة الظلم الذي يكون الإنسان مصدره في مثل هذه الحالة، وهذا ما نتلمسه في مدلول حكم الآية الكريمة التي جاء فيها:"إنَّ الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون") اهـ
ويقول في موضع آخر من الكتاب:(المستبد يتجاوز الحد ما لم ير حاجزًا من حديد، فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفًا لما أقدم على الظلم، كما يقال:"الاستعداد للحرب يمنع الحرب".
المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم درًا وطاعة، وكالكلاب تذللًا وتملقًا، وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خُدمت خَدمت، وإن ضُربت شرست، وعليها أن تكون كالصقور لا تُلاعب ولا يستأثر عليها بالصيد كله، خلافًا للكلاب التي لا فرق عندها أطعمت أم حرمت حتى من العظام. نعم على الرعية أن تعرف مقامها، هل خلقت خادمة لحاكمها تطيعه إن عدل أو جار، وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف، أم هي جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها! والرعية العاقلة تتقي وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزَّت به الزمام، وإن صال ربطته) اهـ [2] .
(1) النساء: 97 - 98.
(2) كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ص 15 - 16، وص 42.