هذه العروض كانت لمجرد أن يتوقف عن سب آلهتهم, والدعوة لترك عبادتها والتقرب إليها, وهو أمر قد يبدو بسيطًا في صورته, ولكنه خطير في مغزاه ومعناه ونتائجه, لأن المطلوب هو القبول بوجود هذه الآلهة والاعتراف الضمني بشرعية عبادتها, وإعطاؤها حق الحياة لتشرك مع الله, لا تعبد بذاتها, فقد كانوا أعقل وأشرف من كفار زماننا في هذا الأمر.
فقد كانوا يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق المتصرف في ملكه, أي توحيد الربوبية, حيث يقول الله عزّ وجلّ حكاية عنهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} ، {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} .
فهم مع جاهليتهم وبدائيتهم أرقى فكرًا وأبعد نظرًا من أتباع داروين وفرويد وأينشتاين وماركس ولينين, وعبدة الأبقار وبوذا والشيطان.
بل إن إبليس أعلم بربه من مشركي زماننا وبعض مدّعي الإسلام من القادة والزعماء والعلماء والمفكرين, وأعلم بقدر نفسه, وآدب منهم في الخصومة مع الله, فقد قال لربه عزّ وجلّ: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} ، {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} .
ولم تكن جريمته إلا أنه استكبر وظنّ نفسه أفضل من آدم الذي أُمِر بالسجود له, ولذلك عصى ربه ولم يسجد, أي رد الأمر على الآمر سبحانه وتعالى, وما معه من سلاح إلا الوسوسة والإغواء: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} .
أما عباقرة هذا الزمان الذين يفترضون أنهم أعلم من الله فيشرّعون غير ما أنزل فجريمتهم أنكى؛ لأنهم لم يردوا الأمر على الآمر فقط؛ بل شرّعوا ما لم يأذن به الله وضادوا به تشريع الله, وألزموا أنفسهم وغيرهم باتباع ذلك التشريع الكفري بالحديد والنّار؛ متهمين الشرع الرباني - تعالى عما يقول الظالمون - بالنقص وعدم مواكبة العصر والتطور البشري الذي شهدته القرون الحديثة.
ولا أجد مثلًا لذلك - ولله المثل الأعلى - إلا كما لو أن عالمًا كبيرًا اخترع جهازًا الكترونيًا في غاية التطور, وأرفق معه كتيبًا بالإرشادات التي تحدد نطاق استخدامه وطريقة الاستعمال, والإصلاح إذا حدث به عطب أو خلل.
فجاء عبقري وقال: (إن هذا المخترع لا يفهم كثيرًا في الالكترونيات) .
فأعطى الجهاز لطالبٍ مبتدئٍ في دراسة ذلك العلم ليحدد له أوجه الاستعمال وطريقته, وإذا حدث به خلل يطلب من الأجهزة التي صُنِعَت على شاكلته أن تصلح ذلك الخلل بنفسها. فهل يدخل ذلك المنطق والعقل؟ تعالى الله عمّا يصفون.
فالله سبحانه وتعالى هو مبدع ومخترع هذا الكون بما فيه آدم وذريته, وهو الذي حدد وظيفة الإنسان ومهمته في هذه الحياة. وأمده بالإرشادات التي تساعده في تأدية تلك المهمة, ونهاه عن الأشياء التي قد تعرقل مسيرته, وبيّن له العلاج في حالة حدوث خلل بفرد من أفراده أو مجتمع من مجتمعاته.
ولا يشك مؤمن عاقل في أن الله خالق هذا الإنسان أعلم به وبما يصلحه من البشر الذين صنعهم بيده. وهو الذي حدّ الحدود وشرّع الشرائع.
كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها, وحدّ حدودًا فلا تعتدوها) [رواه ابن النجّار] .
فإذا جاء إنسان وبدّل تلك الحدود الربّانية, واستبدل تلك الشرائع الإلهية بشريعة من عنده أو من صياغة البشر؛ فقد جعل من نفسه أو غيره ندًا لله أولًا, وافترض أنهم أعلم من الله بما يصلح البشر ثانيًا.
والخلاصة:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم ثبت على المبدأ الذي اختاره الله له, وارتقى المركب الصعب, فلم يهادن الكفار والمشركين والمنافقين, ولم يداهن في ذات الله, ولا أطاع المكذّبين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؛ واختار ذات الشوكة فكانت الهجرة والجهاد.
مضى صلى الله عليه وسلم واثقًا بتحقيق موعود الله له, يشحذ همم أصحابه, ويهيئ نفوسهم للتضحية في سبيل الله, ويبشرهم بأن العاقبة لهم في الدّنيا والآخرة, يحكي لهم: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض, فيجعل فيها, فيجاء بالمنشار, فيوضع على رأسه فيشق باثنتين, وما يصده ذلك عن دينه, ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصبٍ, وما يصده ذلك عن دينه, والله ليتمنّ هذا الأمر, حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت, لا يخاف إلا الله, أو الذئب على غنمه, ولكنكم تستعجلون) .
ثم ّ لم يأل صلى الله عليه وسلم جهدًا في النصح للأمة, وبيان العراقيل التي ستعترض طريقها, والسبيل لاجتياز تلك العراقيل وتذليلها, وكأنه يطّلع على زماننا, ويوجه لنا النصح في شخوص أصحابه رضي الله عنهم, فيقول صلى الله عليه وسلم: (أوصيكم بتقوى الله, والسمع والطاعة, وإن تأمّر عليكم عبدُ حبشيُ, وإن من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين, عضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) [رواه أبوداود وقال: حديث حسن صحيح] .
ولعل من أخطر محدثات زماننا"الديمقراطية)، وقبول التعايش مع الأحزاب العلمانية والقومية وغيرها في ظل نظام حكم ديكتاتوري متسلط يحميها ويرعاها."