لقد كان المجتمع المكي الذي هبط فيه الوحي لأول مرة على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يتسنم قيادة الجزيرة العربية لوجود بيت الله الحرام فيه, وبصفته معقل عبادة الأصنام والأوثان التي تدين بها القبائل العربية المنتشرة في جميع أنحاء الجزيرة.
ورغم شراسة المعركة وخطورة الوضع على الحركة الإسلامية الوليدة التي بدأت قريش تناصبها العداء منذ لحظة ولادتها, فإن الله قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصدع بكلمة الحق ويعلنها مدوية بينهم: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} .
وحذره من اختيار الطريق الأقصر والأسهل, وهو المهادنة واللين وتقديم بعض التنازلات التي قد تبدو شكلية, طمعًا في إيمان زعماء قريش ومن ثمّ تتبعهم بقية القبائل بحكم قيادتها الروحية ومكانتها بينهم.
وهو الأمر الذي عرضوه على الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما: (إن عددًا من زعماء قريش اجتمعوا فقالوا:(يا محمد! ما نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد سببت الآباء, وعبت الدين, وسفّهت الأحلام, وشتمت الآلهة, وفرّقت الجماعة؛ فما من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تريد مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا, وإن كنت تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا, وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًا تراه قد غلب, بذلنا أموالنا في طلب العلم حتى نبرئك منه) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بي ما تقولون, ولكن الله بعثني إليكم رسولًا, وأنزل عليّ كتابًا, وأمرني أن أكون لكم مبشرًا ونذيرًا) .
وعنه رضي الله عنهما: (أن قريشًا دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة, ويزوِّجوه ما أراد من النساء, فقالوا: هذا لك يا محمد, وتكف عن شتم آلهتنا ولا تذكرها بسوء ... إلخ الحديث) .
وأقل من هذه العروض بكثير جدًا لو عرض على معظم قادة المسلمين في زماننا هذا, خاصةً من يعتبرون أنفسهم ساسة محنَّكين, لسال لها لعابه, وطار منها فؤاده, وظنّ أنها الفرصة الذهبية التي لو أفلتت منه سيعقبها النّدم طول العمر, ويقنّع نفسه وغيره بأن قبول هذا العرض أو ذاك لا يمثل ارتدادًا عن الهدف الأسمى الذي يسعى لتحقيقه, ولا رجوعًا عن المنهج, أو الرضا القلبي بالباطل ودوام دولته, بل هي مرحلة"تكتيكية خداعية"حتى نستطيع التغيير الجذري دون الدخول في صدام مباشر مع الأعداء الداخليين والخارجيين, وأنه إنْ تولى المسؤولية فإنه؛ بحسن الإدارة, واختيار الكفاءات المخلصة, والعدالة, والخدمة الدؤوبة, وطهارة اليد, وتسخير كل الموارد لصالح الجماهير, فعندئذٍ سيشعر الناس بضخامة الفارق بين ما كانوا عليه وما صاروا إليه, ومن ثمّ يلتفون حوله ويقوون شوكته فيستطيع القضاء على الأحزاب العلمانية والكافرة قضاءً مبرمًا, وإقامة الدين كاملًا لله.
وهذا من تلبيس إبليس؛ لأن من يظنّ أن أعداء الله بهذه السذاجة والبلاهة حتى تنطلي عليهم هذه الحيلة أصابه الوهم, وسوء التقدير, لأنهم لو كانوا يعلمون أن المسلمين يمكن أن يصلوا إلى الحكم بهذه الطريقة, لما سمحوا لهم بإنشاء الأحزاب السياسية ولا خوض الانتخابات العامة, كما يحدث في مصر وغيرها من الأقطار التي تمنع قيام الأحزاب على خلفية دينية. ولو سمحت لها فإنها تنقلب عليها وتستخدم معها العصا الغليظة إن جاءت النتيجة على غير ما يريد الحكام العلمانيون والغرب, والعالم ما بين مؤيد وصامت؛ كما حدث في الجزائر وتركيا زمن نجم الدين أربكان.
بالإضافة إلى مكر هؤلاء الشياطين الذين وصف الله مكرهم بأنه؛ {لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} .
وهو تسفيه لقياداتهم التي جمعت بين شياطين الإنس ومردة الجنّ.
وإغفال متعمد لحقيقة وجود الآلاف من أفراد الاستخبارات المحلية والعالمية والعملاء المحليين أو الذين يتسترون بغطاء الخدمة الإنسانية في المنظمات العالمية, الذين يجرون استطلاعات الرأي ويجسون نبض الشارع, ويسجلون كل صغيرة وكبيرة ويرفعون التقارير الفورية بالصوت والصورة.
ووجود عشرات أو مئات الآلاف في أقل دولة تعدادًا للسكان من أفراد الشرطة والجيش المشمرين في انتظار الأوامر لسحل الأبدان وسحق العظام وإسالة الدماء البريئة أنهارًا قربانًا للديمقراطية المزعومة!
كما أنه نسيان لأوليات هذا الدين من أنه جزء واحد لا يتجزأ, وأنه بقدر ما تفرط في جزء من أجزائه, أو تتغاضى عن تطبيق حكم من أحكامه, أو تعطل شريعة من شرائعه, بقدر ما تفرط في عقيدتك وتوحيدك, شبرًا بشبرٍ, وذراعًا بذراع, فهو كالعقد إذا انفرطت منه حبة انفرط كله بالتتابع.
وهذه العروض المغرية من زعماء قريش للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يملِّكوه عليهم, ويسوِّدُوه فلا يقطعون أمرًا دونه, ويكون أكثرهم مالًا ونساءً, لو أضفيت إلى أنه كان من أكرمهم نسبًا وعشيرةً, وأقواهم جسمًا وشوكةً, كان ذلك يضمن له القوة شبه المطلقة, ويستطيع خلال فترة بسيطة أن يؤلف القلوب بحسن بيانه وسمته, ويجمع القبائل ويشتريها بالمال, ومن ثمّ القيام بانقلاب عسكري, يفرض فيه نظامه بالقوة.
ولكن هل كان ذلك سيلين القلوب ويعبّدها لله وينزع منها ما أشربته من حب الآلهة والأصنام التي كانت تعبدها من دون الله, أم كان سيسخر الشخوص دون النفوس بحيث تحاول التخلص من السلطان السياسي وزعامة قريش على بقية القبائل وتبعات الدين في أول فرصة تتاح لها, مثل الردة التي حدثت لكثير من القبائل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، رغم أن الله سبحانه وتعالى نصر عبده وأعز جنده ودخل الناس في دين الله أفواجًا؛ فما بالك لو سلك طريق الانقلابات العسكرية الدموية أو داهن في ذات الله حتى يرضي القبائل على حساب العقيدة والتوحيد الخالص, وحاشاه أن يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم؟!