فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 104

وفي البداية نذكر أن معنى الديمقراطية لغويًا؛ أنها حكم الشعب.

وقد نشأ هذا المفهوم في أثينا في الثقافة اليونانية القديمة ثم تجسدت هذه الفكرة في العصور اللاحقة في الفكر السياسي الغربي واتخذت نشاطًا نضاليًا من أجل الديمقراطية بين الحكام والمحكومين بلغ أوجه خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر عندما استطاع البريطانيون من الحد من صلاحيات الملك بعد ثورتي 1649 و 1688.

وكان لـ"جون لوك"دور بارز في الدعوة للديمقراطية بالمفهوم الغربي والذي عرفها بأنها؛ (حق الأكثرية التي اكتسبت سلطة الجماعة بالاتحاد في استخدام تلك السلطة لتشريع القوانين وتنفيذها بواسطة موظفين عينوا لذلك) .

أما الولايات المتحدة فلم تعرف النظام الديمقراطي إلا بعد الاستقلال - 1776 - وتجسدت في إعلان حقوق الإنسان وحريته. رغم أن الديمقراطية الأمريكية بقيت مشوهة إلى اليوم حيث لا يحق مثلًا الترشيح للرئاسة إلا لفئة معينة من الشعب كالبروتستانت أو البيض أو الانكلوسكسون، كما أن الثروة المالية للمرشح مقدمة على أي نوع من الكفاءات الأخرى.

يقول المحامي الأمريكي"رمزي كلارك":(صحافتنا الأمريكية تملكها وتتحكم فيها"البلوتوكراسي"أي الطبقة الثرية، وهؤلاء أيضًا يملكون ويتحكمون قي الحكومة الأمريكية ... إن الولايات المتحدة ليست ديمقراطية لأن الشعب لا يختار، بل هو حكم الأثرياء يتحكمون في الانتخابات، والحكومة والعسكر والإعلام.

إن لدينا حكومة أثرياء، وبعضهم يسمونها"أرستقراطية"ولكن الواقع أنها حكومة الأثرياء، والفقراء لا حقوق لهم أو لا يتساوون مع الأثرياء الذين يملكون القوانين والسياسات الأمريكية، إن السياسة الخارجية الأمريكية هدفها خدمة مصالح الأغنياء الأمريكيين") [1] اهـ"

أما في فرنسا فقد انفجرت الثورة سنة 1789 معلنة حقوق الإنسان والمواطن، حيث عرف"جان جاك روسو"الديمقراطية بما يلي: (يستطيع صاحب السيادة في المقام الأول أن يعهد بأمانة الحكم إلى الشعب كله أو إلى الجزء الأكثر منه بحيث يكون هناك من المواطنين الحكام أكثر من المواطنين الأفراد ويطلق على هذا الشكل من الحكومة اسم ديمقراطية) .

أما"مونتسكيو"ففي معرض تقسيمه للحكومات اعتبر الحكم الديمقراطي شكلًا من أشكال الحكم الجمهوري.

فالديمقراطية في رأيه تحكم على أساس الفضيلة السياسية وتعني حب الدولة وحب المساواة، وفي ظل النظام الديمقراطي فإن المواطنين يختارون وفقًا لمبدأ المساواة وإمكاناتهم وقدراتهم، والسلطة التشريعية يجب أن تكون بين الأفراد كما أن التصويت يجب أن يكون عامًا.

إذن، فالديمقراطية بالمعنى اللغوي"حكم الشعب": هي قاعدة لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع في حال من الأحوال.

وهو الأمر الذي يؤكده"روسو"حيث يقول:(وإذا أخذنا عبارة الديمقراطية بكل معناها الدقيق نجد أن الديمقراطية الحقيقية لم توجد أبدًا ولن توجد أبدًا فيما يخالف النظم الطبيعية أن يحكم العدد الأكبر وأن يكون العدد الأصغر هو المحكوم, ولا يمكن أن نتصور بقاء الشعب مجتمعًا على الدوام للنظر في الشؤون العامة ونستطيع أن نرى بسهولة أنه لا يمكن إقامة لجان من أجل ذلك دون تغيير في شكل الإدارة.

أما المفهوم الاصطلاحي للديمقراطية فقد أصبح يشمل معانيًا أخرى أضيفت إليه كإعطاء الحرية للناس في تشريع القانون واختيار من ينفذه من خلال الانتخابات العامة التي تكفل المساواة للأفراد في المشاركة في الحياة السياسية حيث يكون الرأي للأغلبية)انتهى [2] .

وجاء في كتاب"الديمقراطية احتلال الآخر بالقانون"للكاتب الفرنسي"شارل رومان":(كيف نفهم معنى ديمقراطية؟

لم يتحدد حتى الآن مفهوم واضح ومتفق عليه فيما يخص الديمقراطية. فبين أن تكون حكم الشعب أو حرية الشعب أو حق الشعب في الحكم.

كلها مفاهيم غامضة, لأن الفكرة السياسية القائمة على التشريع القانوني والإنساني والبشري هي التي تنطلق من المعنى الواضح لعبارة الحياة بالمعنى الذي حددته كل الكتب السماوية المتفقة على أن الديمومة الكونية ليست قائمة على عبثية مطلقة. بل على قانون وعلى تشريع صنع هذه العلاقات بين شخص وآخر ملغيًا كل الاختلافات في اللون وفي العرق ...

هذا هو التشريع الذي تتفق عليه كل الديانات بحيث أن تمرير رسالة الديمقراطية كان جد متأخرا عنها باعتبار أن فكرة الديمقراطية ظهرت بإلحاح واقعي ملموس في بداية الستينيات من القرن الماضي. وبالتالي في منتصف السبعينيات كانت الفكرة قد صارت موضة تتناقلها السياسات من جهة إلى أخرى. بينما العلاقات الإنسانية قديمة قدم الإنسان نفسه وليس للديمقراطية فضل عليها.

لا شك أنه لم يكن ثمة شيء مقنع وثابت اسمه ديمقراطية الشعوب حتى في أحلك الظروف السياسية أو الاجتماعية. فمن منطلق واقعي وتاريخي فقد ارتبطت الديمقراطية بظاهرتين أساسيتين أولهما الزمان وثانيهما المكان ... وبين المعنيين كانت الرهانات تتأسس على عنصر مهم هو المصلحة داخل الزمان والمكان معا. بمعنى اختيار التوقيت الأنسب لتفجير القنبلة وإعلانها والتبشير بها. كأي مذهب قائم على المصلحة والمصلحة فقط!).

وجاء في موضع آخر من الكتاب:(قبل عشرين سنة، كانت عبارة"ديمقراطي"تعني ظاهريا؛ الرجل الحر، وتعني سياسيًا"الديموكتاتورية"الرجعية ... خليط من البهرجة المدنية والعنف الفطري والتناقض الاجتماعي كلها عوالم صنعت الخليط لحلم لم يكن في الحقيقة أكثر من سراب.

كانت عبارة أنا ديمقراطي تعني حالة من المعارضة لأشياء عاشها الغرب بكل تفاصيلها المقيتة، لهذا لم تكن تلك العبارة بديلًا كافيًا أمام تراكمات صنعها القهر والاحتلال والخصام الدفين، بحيث أن الرؤية السياسية في العبارة نفسها كانت تصنع من الكلمة شيئًا مبهرًا مثيرًا للحلم. بالخصوص في دول شرق أوروبا التي عاشت انغلاقًا كبيرًا أدى إلى حالة من العزلة بين الشرق والغرب ... كانت ثمة صراعات دفينة لم تكن لتظهر من دون الضغط عليها. ربما كانت الحرية بمثابة القنبلة المؤجلة. بالأخص قبالة التناقضات الفكرية وحتى الاجتماعية بين دولة وأخرى ... ) انتهى.

وقبل أن نتكلم عن تلك الشرعية المزعومة نقتبس شيئًا من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لتكون لنا درعًا واقيًا من تسرب شييء من هذه التُّرهات إلى نفوسنا, وندرك عظمة ما نحن عليه, وحقارة ما يدعوننا إليه.

[1] عن مجلة المشاهد السياسي، عدد 6615 - 21 حزيران 1997، ص11 - 12.

[2] من مقالة بعنوان؛ الإسلام والديمقراطية، للقاضي فتحي منصور قاضي المحكمة الشرعية في القدس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت