فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 104

عندما خلق الله آدم عليه السلام وذريته حدد لهم هدفًا ومهمةً, ألا وهي خلافة الله في الأرض, وتنفيذ إرادته في عمارة الكون وسياسته, وعبادته سبحانه لا شريك له.

وأرسل الله الرسل لهدايتهم وتوجيههم كلما انحرفوا عن الجادة وضلوا السبيل لتحقيق هذه الغاية, بعد أن أخذ منهم العهد والميثاق وهم في صلب آدم أن يفردوه بالعبادة والطاعة, قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ.

وقال عز من قائل: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيئ أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم, فيقول الله: أردت منك ما هو أهون من ذلك, قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئًا, فأبيت إلا أن تشرك) [متفق عليه] .

فمن أطاع هؤلاء الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - واهتدى بهديهم وسلك طريقهم فهو المؤمن الذي يسعد في الدنيا والآخرة.

وأما من نأى بنفسه عن الإيمان إمَّا نكرانًا وجحودًا, وإمَّا للحفاظ على حظوظ النفس والمكاسب الدنيوية, ونهى غيره عن الإيمان, وأراد أن يقف عقبة في طريق المرسلين وأتباعهم حتى لا يبلِّغوا رسالة ربهم ويُخْرِجوا الناس من الظلمات إلى النور فلا مناص من ضرب البنان (حتى يكون الدين كله لله) ؛ فلا شريك في الربوبية ولا الإلهية, فالعبادة لله والحكم لله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} ، {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .

هذه المهمة الثقيلة التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها, وحملها الإنسان بضعفه البشري الفطري ووجود الشيطان يتربص به ليورده المهالك, لم يتركه الله سبحانه وتعالى برحمته وفضله يواجهها وحده, رغم أنه وهبه العقل المفكر وحرية الإرادة؛ بل حدد له الأصول والقواعد العامة التي يجب الالتزام بها في أي زمان ومكان, ولأي قوم من الأقوام, وأرسل له الرسل مبشرين ومنذرين ومذكرين وقدوة للعالمين؛ حتى لا ينساق الإنسان وراء الشهوات والأهواء الشخصية فيَضِلَ ويُضِلَ, وقد قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} .

روي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن بعض علماء اليهود قالوا: (يا محمد! نحن أحبار اليهود, ولو اتبعناك لاتبعك اليهود كلهم, وإنّ بيننا وبين أناسٍ من قومنا خصومةً, ونريد أن نتحاكم إليك, فإن قضيت لنا أعلنّا صدقك) ، فلم يقبل صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله فيهم ذلك إقرارًا له على ما فعل.

ونتيجة لتفريط المسلمين في دينهم, وتخليهم عن قيادة الركب الحضاري, وتخلفهم في شتى المجالات خاصة العسكرية والإنتاج الحربي, واتساع رقعة أراضيهم وما تحويه من ثروات طبيعية وبشرية, تداعت الأمم على قصعتهم فجزّأتها ومزّقتها: دولًا وأقاليم, والدولة الواحدة شيعًا وأحزابًا.

وانتقل إلينا الجانب السيء من الأفكار والمعتقدات الغربية مع قليل من الحُسْن المزيف لتضليل الشعوب, وإظهار أنهم لا يريدون لنا إلا الخير.

ولقد تدرج أعداء الله في محاربتهم للإسلام ومحاولة درء خطره عليهم بما ينذر بزوال حضارتهم المادية الإلحادية, والقضاء على سيطرتهم على الكرة الأرضية, حيث جربوا التدخل العسكري السافر فلم يفدهم كثيرًا الحملات الصليبية المتتالية في تحقيق هذا الهدف, فأشاعوا أن الإسلام انتشر بالسيف, وأنه يجبر الناس على اعتناقه بالقوة, حتى يقف المسلمون موقف المدافع, ويكتفوا بـ"جهاد الدفع"وهو الدفاع عن أنفسهم وأراضيهم إذا اعتدي عليهم, والتحرك لتحرير ما يكون قد تم احتلاله منها.

ولكن هذا لم يبدد تلك المخاوف, ولم يمهد للغرب الأرضية التي تمكنه من السيطرة على الساحة الإسلامية, ونهب خيراتها, والعبث بمقدراتها وهو آمن, بعد أن ظلت عوامل الخير والغيرة والحمية لدين الله كامنة في أبنائه, وبقيت أبواب الفقه المتعلقة بالجهاد والسير والغزوات تدرس, وتؤتي آثارها, بما يهدد عروش الحكام الوكلاء, ومن وراءهم من قوى الشر والجبروت, فلم يكن لهم من خيار إلا التعايش مع ما يسمى بـ"الإسلام السياسي"ومنح المسلمين فسحة للتعبير عن أنفسهم, وإبراز وجودهم وقوتهم على الساحات الداخلية, من خلال الانخراط في"لعبة الديمقراطية"، بدلًا من"الإسلام الجهادي"الذي لا يطيقون تكاليفه وأعباءه.

ولذلك فإنه مطلوب من جميع دول المسلمين بحكم الاستضعاف تطبيق النظام"الديمقراطي"، بصورة يبدو فيها ذلك النظام وكأنه دين"قديم جديد"فهو"قديم"بالنسبة للغرب النصراني الملحد,"جديد"بالنسبة للشرق المسلم وبقية الدول النامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت