فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 104

ولك أن تعجب من هذا الدين الجديد! إن نبيه ليس محمد صلى الله عليه وسلم - الصادق الأمين في الجاهلية والإسلام - الذي قال فيه هرقل"ملك الروم"لأبي سفيان - وكان إذ ذاك رأس الكفر وزعيم المشركين: (ما كان ليدع الكذب على النّاس ثم يذهب فيكذب على الله"!"

ويكفيه شرفًا ثناء الله سبحانه وتعالى عليه وتزكيته بأدق وصف وأحسنه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} .

وفي آية أخرى يمتَّن على البشرية بإرسال هذا النبي الكريم رحمة لهم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} .

ودستور الإسلام"القرآن"فيه آيتان تأمران بكل المكارم وفضائل الأخلاق, وتنهيان عن كل أنواع الفواحش والمنكرات, وهما قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} ، {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .

والفحشاء؛ الذنوب المفرطة في القبح, والمنكر؛ كل ما تنكره العقول السليمة, والبغي؛ التطاول والتجبر والتعدي على الآخرين ظلمًا.

فهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ودستوره القرآن أفرزا مجتمعًا لم تشهد له البشرية مثيلًا, شهد له رب العالمين الذي يعلم تاريخ البشر الذين خلقهم بيده منذ أن خلقهم وإلى أن تقوم الساعة بالخيرية على غيره من المجتمعات في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} .

بينما دستور الديمقراطية يعطي البشر حرية العبادة المطلقة من شجر وحجر وأصنام وما شاء البشر عبادته, ويببح التعامل بالرِّبا ولعب الميسر وفرض الضرائب ويحمي كافة الممارسات الجنسية الشاذة والمنحلة؛ حتى وصل الأمر في الإباحة عندهم إلى أن يتزوج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة, وما يسمى بـ"زواج المثليين".

وباستعراض جرائم الأمم السابقة التي ذكرها القرآن نجد انطباقها تمامًا على المجتمع الأمريكي, بل وأشنع منها. ويكفي التذكرة بأن الشعب الأمريكي يتسبب في استفحال خطر فناء البشرية بسبب رفض التوقيع على اتفاقية"كيوتو"فيما يعرف بقضية"الاحتباس الحراري"، وذلك رضوخًا للشركات الأمريكية العملاقة التي يملكها اليهود, كما أنها استخدمت حق النقض ضد قرار يبيح انتاج أدوية معالجة مرض نقص المناعة المكتسبة"الإيدز"بأسعار التكلفة لإنقاذ دول أفريقية بكاملها مهددة بالفناء, وإيقاف انتشار المرض بشكل خطير في جميع دول العالم, وذلك بدعوى المحافظة على الأرباح التي تحققها الشركات الأمريكية من انتاج تلك الأدوية لدفع عجلة البحث العلمي للأمام!

ولن نذكر أوجه العلاقة بين جرائم تلك الأمم والمجتمع الأمريكي, ولا شرح معاني الآيات, ولكن نترك القارئ يستنبط ذلك بنفسه ونطلق له العنان يقارن بين تلك الآيات وواقع المجتمع الأمريكي.

كما لن نذكر كيف كانت نهاية تلك الأمم فكتب السيرة وقصص الأنبياء والحديث كفيلة بذلك.

عاد: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} .

وقال لهم نبيهم هود عليه السلام: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} .

فهل خرجت أمريكا عن ذلك قيد أنملة؟

وثمود؛ قال لهم نبيهم صالح عليه السلام: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} .

وقوم نوحٍ عليه السلام: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} .

وفرعون: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} ، {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} ، {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ، {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} .

وقوم لوطٍ عليه السلام: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَاتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ} .

ومدين؛ قال لهم شعيب عليه السلام: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} .

فهذه بعض جرائم الأمم السابقة, وهي نفس نتيجة الديمقراطية في واقع المجتمع الأمريكي وبقية الدول الديمقراطية العريقة وما أوصلتهم إليه, فهل نحب أن تصبح مجتمعاتنا على نفس تلك الصورة؟

والآن نناقش قضية الديمقراطية مناقشة عقلية منطقية بعيدًا عن الحساسية التي تنتاب دهاقنة السياسة ودعاة الديمقراطية إذا ما نوقشت القضية من الناحية الشرعية فقط, أو الذين يؤمنون بأن الديمقراطية هي السبيل الوحيد لتغيير واقع المسلمين في ظل الظروف الدولية الحالية, ولا يقتنعون بغيرها من الوسائل والسبل.

لهؤلاء جميعًا نوجه الحديث لعلنا نتفق على الطريق الأمثل والأولى بالاتباع لتحقيق خير الأمة وسعادتها.

إن الديمقراطية لو كانت أفضل نظام سياسي على مر التاريخ لاختارها الله سبحانه وتعالى لأفضل مجتمع عرفته البشرية, وهو المجتمع المدني في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم من بعده, فقد جمع كل المقومات والأركان التي تضمن نجاحه بامتياز, بدءًا من قيادة رفعت شعارات شهد الواقع بصدقها وليست شعارات للدعاية الانتخابية, ومنها:

قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المسلمون سواسية كأسنان المشط) .

وقوله صلى الله عليه وسلم: (وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) [رواه البخاري] .

وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح) .

ومقالة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه التي تواترت: (لو أن بغلة عثرت بالعراق لخشيت أن يسألني الله عنها لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق؟) .

بالإضافة إلى وجود الآلاف من العلماء المجتهدين والفقهاء والحفّاظ الذين جمعوا بين العلم والعمل وأثنى عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) , بحيث يسهل انتخاب مجلس للشيوخ من بينهم.

ثم مجتمع كل أفراده عدول: شبابًا وشيوخًا, فكل فرد فيهم يصلح أن يكون نائبًا عن الأمة وعضو في مجلس النواب.

وأخيرًا؛ ناخبون لا يجتمعون على ضلالة كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفون معنى الأمانة في الاختيار والاستعلاء على الأمور الجاهلية التي تنتاب الضالعين في النظم الديمقراطية الحالية, فهؤلاء لو انتخبوا أحدًا منهم فلاشك أنهم كانوا سيختارون أفضل العدول.

ولما كان الله سبحانه وتعالى الذي وسع كل شيء علمًا، وأحاط"بما كان, وما سيكون, وما لم يكن لو كان كيف يكون)، قد اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم وخير أمة أخرجت للناس؛ ذلك النظام السياسي الذي ساسهم به, فهذا أكبر دليل على أن النظام الديمقراطي لا يصلح لسياسة الأمة الإسلامية ولو كان خيرًا لسبقنا الصحابة إليه."

والآن قد آن الأوان للكلام عن شكل الديمقراطية المطبقة في دول العالم الثالث الذي ينتمي إليه جميع الدول الإسلامية - عدا ماليزيا -

ولكن قبل أن نستعرض شكل تلك الديمقراطية نؤكد أن جميع المسلمين بمختلف فئاتهم وطوائفهم وآحزابهم ودولهم في سفينة واحدة, سيغرقون إن غرقت, وينجون إن نجت ووصلت إلى شاطئ الأمان.

(كمثل قومٍ استهموا على سفينة, فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها, وكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم, فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا, وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا) [رواه البخاري] .

والذي يظن أنه خارج هذه القاعدة أخرق؛ فالمجتمع يضم أهله وأقاربه وعشيرته وأصهاره وأصدقاءه, فإن نجا هو بنفسه وازدادت حساباته, وانتفشت ثروته, على حساب كل هؤلاء وبقية إخوانه من المسلمين, فإنما ذلك إلى حين. وعندما يتمكن الباطل من رقاب المسلمين فلن يدع أحدًا إلا أذله واستولى على ممتلكاته.

والفقر الذي يضرب بأطنابه جعل الأمة كالمريض بفقر الدّم - الأنيميا - وكل من يسرق أو يختلس أو ينهب ثروات الأمة وممتلكاتها كالذي يسحب من دم ذلك المريض ليعجل بقتله, والذي يساعده أو ينتخبه أو يرشحه شريك له في الجريمة ووزرهما سواء.

والمرابي الذي يأتيه الفقير ليستدين منه ما يسد به رمقه ويقيت عياله, أو الفلاح المعدم الذي يريد شراء البذور والسماد لزراعة"شبر الأرض"الذي يملكه أو يستأجره, فلا يرحمه ويأخذ منه الفائدة - التي يسمونها فائدة وهي خسران مبين - فيزيده فقرًا على فقره وعوزًا على عوزه, فهو كالبدين الصحيح الذي يسحب دم النحيف الهزيل ويحقنه لنفسه, فما أخسها من جريمة, وما أبشعه من منظر, خاصةً إذا قورن بتلك القمة التي يعتليها المؤمن.

حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله) .

وقال صلى الله عليه وسلم: (حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيئ, إلا أنه كان يخالط النّاس وكان موسرًا, وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر, قال الله عزّ وجلّ:(نحن أحق بذلك منه, تجاوزوا عنه) [رواه مسلم] .

ولذلك فإن عاقبة ذلك المرابي أن يسبح في الدّم الذي يمتصه من ضحاياه, فقد ورد في الحديث من رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حتى أتينا على نَهَرٍ من دمٍ فيه رجلٌ قائمٌ, وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة, فأقبل الرجل الذي في النهر, فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجرٍ في فيه, فردّه حيث كان, فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجرٍ, فيرجع كما كان ... والذي في النهر آكل الرّبا) [رواه البخاري] .

وهناك نقطة جديرة بالتنويه والملاحظة: إن الذي يسرق من غيره ويضبط, يسمى سارقًا ويكتب ذلك في صحيفته, ويعلن ذلك للنّاس, سواء كان الشيئ المسروق ملكًا شخصيًا أو عامًّا, فلماذا يسمى المواطن العادي سارقًا لو سرق شيئًا تافهًا ويفضح على الملأ, ولا يقال لعضو البرلمان أو المجلس البلدي أو مجلس الوزراء سارقًا إذا سرق بالملايين؟!

والذي يقبل الرّشوة هو"مرتش"والذي يدفعها له"راش"والساعي بينهما"رائش"وثلاثتهم ملعون, لقوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الراشي والمرتشي) ، وفي رواية: (والرائش) .

فالمواطن الكبير الذي يتلقى الرشاوى على شكل مبالغ ضخمة تضاف إلى رصيده في البنك, أو تسلّم له يدًا بيد, أو يُسَْنَد إليه كرسيٌ في الوزارة, أو مقعد في البرلمان مقابل الانحياز للحزب الحاكم أو إعطاء صوته له في الاقتراع السري, لماذا يستنكف أن يقال عنه مرتشيًا, والذي أعطاه راشيًا؟!

والذي يزني هو"زان"يجب إقامة الحد عليه ويشهده طائفة من المؤمنين - أي علانية -

وفي وسط السياسيين وممن يسمون بـ"رجال المجتمع"تنتشر هذه الآفة, وربما كان للسياسي"المحترم"أولاد من الزنا معروفين, ومع ذلك يتم انتخابه للبرلمان أو الوزارة فضلًا عن عدم إقامة الحد عليه؟!

والمرشح الذي وضعت فيه الجماعة أو القبيلة أو جماهير الحزب ثقتها, فانتخب للإصلاح, وتحقيق مصالح الذين انتخبوه؛ فخان تلك الأمانة, وخذلهم فخالفهم - سرًا أو علانيةً - واتبع هواه, ولم يبحث إلا عن مصالحه الشخصية علي حساب مصالحهم وحقوقهم, فهذا خائن, وكما خان في نطاق صغير فلا نضمن إن انتخب للمجالس النيابية أو تولى منصبًا رسميًا أن يخون الأمة بأكملها, فالذي في طبعه الخيانة يخون الأمانة مهما دقت أو عظمت, فالأمر عنده سيان.

والذي يعمل في بنك من البنوك الربوية أو يتعامل بأي شكل من أشكال الربا,"مراب"ملعون بلعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم له حيث: (لعن آكل الرّبا وموكله) [رواه مسلم] , وزاد الترمذي وغيره: (وشاهديه وكاتبه) .

وقس على ذلك.

فيجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها, والأشخاص بأسمائهم.

فهل إذا كتب في لوحات الدعاية الانتخابية"انتخبوا فلان السارق"أو"الخائن"أو"الملعون"؛ هل تظنون أن أحدًا من النّاس سينتخبه إلا من كان على شاكلته أعمى البصيرة وفي قلبه مرض؟!

فإذا كانت هذه هي الحقيقة حتى ولو لم تكتب في الدعاية, فلماذا نغض الطرف عنها ونرتضيه ليمثلنا وينوب عنّا؟!

ولهذا نقول لمن يصوّت لحساب أحدٍ من هؤلاء أو يدعو الناس للتصويت لصالحهم, أو ينافح ويجادل عنهم بالباطل, نقول له: لو تقدم هذا الشخص ليتزوج أختك أو ابنتك أو قريبتك, وأنت تعلم حقيقته وسوء طويته وسلوكه, أكنت ترضاه زوجًا لها أم سترفضه؟

ولو كان عندك أموال أو تجارة أكنت تأتمنه عليها وتتركها له يتصرف فيها بحرية, أم أنك سترفض ائتمانه عليها, وتختار الإنسان الأمين حسن السمعة لتوكل إليه تلك المهمة؟

فإن كانت الإجابة بالأولى - أي أنك ستقبله على علته - فأنت مريض القلب لا خير فيك وعلى شاكلته.

وإن كانت الإجابة بالثانية - أي أنك سترفضه - فنقول لك: إذا كنت لا ترضاه لأختك أو لابنتك زوجًا, ولا تأتمنه على مالك أو تجارتك, فكيف تأتمنه علي مال الأمة وحرماتها وأمنها واستقلاليتها ألا يخونها ويفرّط فيها؟!

أفتكون بنتك أو أختك أو تجارتك ومالك أعزّ عليك من الله ورسوله وعباده المؤمنين؟!

ونفس هذا الكلام يقال لمن يصوّت في المجالس النيابية على عدم تطبيق الشريعة الإسلامية, خاصة الحدود.

إن الذي يعترض على إقامة الحد على الزاني إنما يريد أن تشيع الفاحشة في المؤمنين: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .

فليت الأمر يقتصر على العقوبة الأخروية فقط, بل لابد أن يشرب من تلك الكأس في يوم من الأيام, وتُرْتَكب الفاحشة في أقرب النساء إليه, وساعتها إن كان لا يزال في منصبه وسطوته ومازال عنده شيئ من النخوة, ساعتها لن يرضى بالقانون الذي أقره ووافق عليه بديلًا لحد الرّجم للمحصن والجلد لغير المحصن, وربما أخذته العزة بالإثم فقتل الجاني ومن قدر عليه من أقربائه.

والذي يعطل إقامة الحدود إنما يريد أن يكثّر الزناة والسارقين وشاربي الخمر والقتلة.

وحد رجم الزاني الذي يريدون منا تغييره: إما بدعوى الإنسانية والشفقة واستشراء هذه الكبيرة بين الناس, وإما بدعوى أن ذلك همجية ووحشية - تعالت الشريعة الغرّاء عن ذلك - إنَّ حد الرّجم موجود في التوراة غير المحرّفة باعتراف علماء اليهود وأحبارهم.

فقد (مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمّم - أي مسوّد الوجه - مجلود, فدعاهم, فقال:"هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟"، فقالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم فقال:"أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟"، فقال: لا والله, ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرّجم, ولكنه كثر في أشرافنا, فكنّا إذا زنى الشريف تركناه, وإذا زنى الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع, فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأمر به فرُجِمَ) [رواه أحمد ومسلم وغيرهما] .

وكل ما في الأمر أن اليهود والنصارى بدّلوا شرعة الله ويريدون أن يضلونا السبيل فنتبع سبيلهم ولذلك يزيّنون لأوليائهم من بني جلدتنا وممن يتسمون بأسماء المسلمين أن يجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} .

-فإن قال متنطع: (إنه قد تاب قبل انتخابه, والله غفور رحيم, وعفا الله عمّا سلف!) .

فنقول له:

أولًا: إذا بلغت الحدود السلطان أو ولي أمر المؤمنين وقامت عليها البينة فقد ثبت فيها حق الله تعالى ووجب إقامة الحد وليس لأحد العفو عنه وإسقاط الحد إلا ما استثناه الشرع كالعفو عن القاتل عمدًا عدوانًا فيسقط وجوب القصاص إلى الدية, أما حد الزنا مثلًا فلا يسقط ولو عفا عنه أولياء المزني بها.

ثانيًا: لابد أن يحقق الشروط المعروفة للتوبة إذا كانت في حق العباد وأهمها أن يبرأ من حق صاحبها, فيرد له مظلمته من مالٍ أو متاعٍ أو غيرهما, أو يمكّنه من نفسه لينتصف منه إن كان قد آذاه في نفسه أو عرضه, أو يعفو عنه من تلقاء نفسه وبمحض إرادته دون ضغط.

هذا بجانب أن يتوقف عن الدفاع عمن يقترفها أو يعطل الحد الذي قررته الشريعة لمرتكبها, ويتبرأ منها علانية إن كان قد اشتهر بها.

فإن حقق تلك الشروط فيجب ألا يتطلع إلي الإمامة العظمى أو القيادة في مستوياتها العليا, بل يجب أن يؤخر حتي يثبت حسن توبته, فلا يصح تقديم طلقاء الفتح على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.

فإن قيل إنه ذو نسب ومالٍ ووراءه قبيلة وأتباع, فنقول: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) , {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} .

ولقد رفع الإيمان بلالًا العبد الحبشي, ووضع النسيب أبا لهبٍ القرشي.

[5] السؤال الثالث من الفتوى رقم 6310، 1/ 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت