فإذا انتقلنا إلى ديمقراطية العالم الثالث فسترى العجب!
حيث لا مانع أن يكون الرئيس من: أنصاف المتعلمين, أو الفاشلين دراسيًا وأخلاقيًا, أو مجهولي الهوية, أو أصحاب الفضائح"البنامية"وغالبًا ما يكون من الماسون وعملاء الاستخبارات العالمية.
والجميع يدَّعي الانتماء إلي شعبه فيؤسس حزبًا لابد أن يضع فيه كلمة:"القومي"أو"الشعبي"أو"عوامي"أو"الوطني"... إلخ.
كما يدّعي الإصلاح وأنه ما تولى السلطة إلا لذلك, وكل أعماله تشهد بعكس ما يدّعيه: (وإذا نهي هؤلاء عن الإفساد في الأرض, وهو العمل بالكفر والمعاصي, ومنه إظهار سوءات المؤمنين لعدوهم, وموالاتهم الكافرين, قالوا: إنما نحن مصلحون! فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض, وإظهارهم أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح قلبًا للحقائق وجمعًا بين فعل الباطل واعتقاده حقًا, وهذا أعظم جنايةً ممن يعمل بالمعصية مع اعتقاده أنها معصية) [6] .
ورد في البروتوكولات ما يلي: (ولا يتم وضع المخطط وضعا كاملًا محكمًا إلى آخر مداه, إلا على يد حاكم مستبد قاهر, يقوم على ذلك حتى النهاية, ثم يوزعه أجزاء على جهاز الدولة, فيتعلق كل جزء بآلته الخاصة به من جهة التنفيذ, ونستنتج من هذا بالضرورة أن الوضع الذي ينبغي أن تكون عليه الدولة مع اللياقة والكفاية, هو الوضع الذي يجتمع كله في يد رجل مسؤول) .
هؤلاء الحكام يفصّلون ديمقراطية شكلية زخرفية لإضفاء الشرعية على أنظمة حكمهم الفاسدة المستبدة, ومن ثمّ ارتكاب ما يرتكبونه باسم الدستور ونيابة عن الشعب - كما يدّعون -
وإطلاق يد الحاكم في الزّج بعشرات الآلاف من الخصوم السياسيين وأعضاء الجماعات الإسلامية أو العرقية في المسالخ التي يسمونها ظلمًا وعدوانًا"السجون".
وإعدام من شاء منهم بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم"الدستوري"مهما قل عدد الفئة المتَّهَمَة بذلك، وكأن نظام الحكم"طبلية"- خوان للطعام - يستطيع أي طفلٍ أن يقلبها برجله - كما قاله الشيخ محمد نجيب المطيعي رحمه الله قبل ربع قرن - مستهزئًا من نظام الحكم في مصر الذي اعتقل مجموعة من تلاميذ المدارس مع معلمهم ووجه إليهم تلك التهمة.
والتهمة المعلّبة الثانية: محاولة اغتيال"الرئيس"، وما أدراك ما الرئيس؟!
إنه كما تصوره وسائل الإعلام المأجورة؛ ذاك القائد الملهم, أمل الأمة, وقائد نهضتها, وباني حضارتها, ومفجر طاقتها, ورمز عزتها وكرامتها!
الذي بفضل سياسته"الحكيمة"، وتوجيهاته"السديدة":
زاد متوسط عمر الإنسان ... وصارت الأرض حدائق وبستان ... وزادت إنتاجية الفدان ... فأشبع الآدمي والحيوان ... وبنى قلاعًا فاقت صرح سليمان ... في الخالي من البراري والوديان ... فيها العذاب أشكال وألوان ... بوسائل أعجزت مارد الجان ... هدية محبة من الأمريكان ... كما عمّر فيها الدّور ... لكل مقدور وميسور ... وشيّد القصور ... من جلمود الصخور ... وزيّنها بأكاليل الزُّهور ... للوزراء وأصحاب الدثور ... وأقام عوالي الجُسور ... لتسهيل حركة المرور ... لموكب البطل الجَسور ... وناقلات أعوانه الصقور ... عند زحفه المنصور ... لإخراج شراذم الجحور ... المطالبين بتغيير الدستور ...
هكذا يدندنون في إعلامنا المأجور!
لذا فإن نظام الحكم في هذه الدول لا يتغير من ناحية الشكل والمضمون.
رئيس دولة"مدى الحياة", بيده كل السلطات والصلاحيات. وهو فوق القانون لأنه هو الذي يصنعه. وفوق الدستور لأنه يطبق منه ما ينفعه. ويعدّل ويبدّل من مواده ما شاء أن يتجرعه.
والاستفتاء جاهز, ونسبة ال90 % مضمونة.
فإذا كان الملك أو الرئيس في الأردن أو مصر أو الجزائر أو اليمن أو أي دولة من جميع الدول العربية والإسلامية - إلا ماليزيا - يملك صلاحية حل المجالس النيابية وإقالة الحكومة في أي وقت شاء.
فمثلاُ ينص الدستور الأردني على مايلي: (المادة 34: 1/ الملك هو الذي يصدر الأوامر بإجراء الانتخابات لمجلس النواب وفق أحكام القانون. 2/ الملك يدعو مجلس الأمة إلى الاجتماع ويفتتحه ويؤجله ويفضه وفق أحكام الدستور. 3/ للملك أن يحل مجلس النواب. 4/ للملك أن يحل مجلس الأعيان أو يُعفي أحد أعضائه من العضوية) .
وهذا لا يقتصر على الملوك فقط بل على الرؤساء في الدول العربية قاطبة, ويضاف إليه أنه هو الذي يعيّن المحافظين أو الولاة أو حكام المقاطعات, ومن ثم فجميع الإدارات الأمنية والسياسية فيها تدين له بالولاء التام.
وهو الذي يعيّن رئيس المحكمة الدستورية العليا, فهو يدين له بالطاعة. أي أن السلطة القضائية رهن إشارته: سنًّا للقوانين وإصدارًا للأحكام.
وفي"باكستان"يملك صلاحية مد فترة خدمة قضاة المحاكم العليا لثلاث سنوات أخرى عند بلوغهم سن التقاعد فالكل يخطب وده ليمد له فترة خدمته.
وهو الذي يعيّن رئيس لجنة الانتخابات منفردًا, وأعضاء اللجنة الآخرين بالتشاور, أي أن اللجنة الانتخابية موالية له.
وإذا كان ثلث أعضاء مجلس الشورى ونسبة من أعضاء مجلس النوّاب بالتعيين من قبل الرئيس منفردًا أو بالتشاور - صوريًا - مع أعوانه حكام المقاطعات وقادة المحاكم العليا الذين هم رهن الإشارة كما أسلفنا, أي أن السلطة التشريعية ستُشَرِّع له ما يريد.
وهكذا فالسلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية بيده, فماذا بقي للحكومة وممثلي الشعب المنتخبين"ديمقراطيًا"ليراهنوا عليه, أو أي قوة لفعل ما تعهدوا به في حملاتهم الانتخابية إذا كان ذلك خلاف ما يريده الرئيس والنخبة الحاكمة؟!
وبسيطرته المطلقة على القوات المسلحة بصفته القائد الأعلي لها, وتعيينه جميع قادة الأفرع: البرية والبحرية والجوية. وكذلك أجهزة الأمن المختلفة؛ خاصة الاستخبارات. وعلاقاته بأصدقائه وحلفائه وأوليائه الغربيين ومن هم على شاكلته من حكام المسلمين وغير المسلمين يضمن له كل ذلك حماية ظهره.
و"سيادة"الرئيس أو الملك فوق المساءلة, فلا يطاله الانتقاد أو الاتهام لأن ذلك امتهان لكرامة الأمة, ولأن كباش الفداء من الوزراء والمحافظين وغيرهم معدّة سلفًا.
جاء في الدستور الأردني - كمثال لبقية الدساتير: (المادة 30: الملك هو رأس الدولة وهو مصون من كل تبعة ومسؤولية) .
لا يضطر للاستقالة إلا إذا وصل الدّمار مرحلة لا يمكن إخفاؤها, والفساد درجة لا يخفى عوارها, وحدثت انتفاضة شعبية تجبره على التنحي عن السلطة - وهذا نادر الحدوث في بلاد المسلمين -
أما الحكومة فالهدف الأساسي منها هو إعطاء المصداقية للحاكم والشرعية لتصرفاته, والإيهام بأنه لا ينفرد بتصريف شئون الدولة, بالإضافة إلي الاضطلاع بالشئون المالية والإدارية والسيطرة على الوضع الأمني في البلد.
وهي الحائط الذي يتلقى اللوم والانتقادات - لأن الرئيس لا يخطئ كما يصوره الدّجالون - والوقوف كالمتهمين في المجلس النيابي للرد على استجوابات أعضاء المجلس, وغالبًا ما تتم إقالتها وسط الاتهامات واللعنات لتحل محلها حكومة أخرى لتلقى نفس المصير ... وهكذا دواليك.
وإذا كان الناس في 68 دولة في أمريكا وأوروبا والدول الديمقراطية العريقة - كما جاء في استطلاع الرأي الذي أجراه معهد جالوب - قد ذكروا أن حكوماتهم المنتخبة ديمقراطيًا لا تمثلهم ولا تهتم بقضاياهم ولا تبحث عن رغباتهم, ولم يشذ إلا سكان الدول الاسكندنافية وجنوب أفريقيا, فما بالنا بالدول المتخلفة والتي تطبق الديمقراطية الصورية الزخرفية والتي يتم تعيين الحكومة فيها وإن ادعت أنها جاءت نتيجة إجراء انتخابات حرة ونزيهة!
وأما أعضاء المجالس النيابية فيفترض أنهم يمثلون كلا الجنسين: الذكور والإناث من جميع العرقيات والديانات والأقليات - الطائفية والمذهبية - والمناطق الجغرافية والسياسية, وجميع الاتجاهات الفكرية والثقافية الأصيلة والدخيلة, ولذلك يدخل المجلس النيابي في الدولة التي تدّعي أن دينها الرسمي الإسلام نائبًا عن شعبها ذي الأغلبية الساحقة المسلمة: المسلم والنصراني واليهودي والمشرك والمجوسي, والبريلوي والقادياني والحبشي والشيعي وغيرهم, والشيوعي والإباحي والعلماني, والارستقراطي والرأسمالي والماركسي وغيرهم, والحاصل على أعلى الدرجات العلمية والأمي الذي لا يستطيع إلا كتابة اسمه؛ كلهم سواء!
المهم الفوز في الانتخابات العامة.
على أن يكون غالبية أعضاء المجلس موالين للحاكم, وأن تكون المعارضة ضعيفة مهمّشة لا تقدم ولا تؤخر في تمرير القوانين التي تتعلق بالقضايا المصيرية التي يقرها المجلس.
هذه الغالبية العظمى التي تقر تلك القوانين لا وظيفة لهم إلا تحقيق أكبر قدر من المكاسب الشخصية والحزبية, وحل مشاكل أبناء الدائرة الانتخابية أو القبيلة التي ينتمي إليها على حساب مصالح الأمة وقضاياها المصيرية, فهم أبعد ما يكونون عن فهم المسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية الشاملة حتى يناقشوها ويدلوا بآرائهم فيها. وحتى إن فهموها فهم أثناء مناقشتها ما بين نائم ومصفق ومشغول بمناقشات جانبية خاصة, وفي النهاية تُقَرُّ المشروعات المقدمة من الحكومة بالإجماع!
والآن نرى لزامًا علينا أن نتعرض لبعض المنزلقات والمحاذير التي قد يقع فيها من يدخل في لعبة الديمقراطية من قادة المسلمين الطيبين وعامتهم الذين يظنّون أنها الطريق الأسلم للتغيير في ظل المعطيات الحالية, وأن نحاول إيضاح بعض النقاط حول حكم الشرع كما فهمناه, لنفتح الباب أمام العلماء وطلاب العلم ليقولوا كلمتهم بعد التفكير بروية بعيدًا عن الأحكام المسبقة, أو الانغلاق على رأي واحد لا يقبل محاورة الآخرين.
أولًا: كيف يمكن الجمع بين الإيمان بأن الله هو الواحد الأحد المتفرد بالحاكمية, والديمقراطية التي تدّعي أن الشعب هو الذي يتولى حكم نفسه بنفسه؟!
وإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يقبل معه شريكًا في الأمر حيث يقول تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) [رواه مسلم] .
فكيف بمن يجعل الأمر كله للشعب وليس لله؟!
فإن اختار الشعب - حقيقةً أم زورًا - عدم تطبيق أحكام الشريعة, والتحاكم إلي الدستور الإنجليزي أو الأمريكي, أو استحداث دستور جديد يجمع بين الأمرين معًا الشريعة الإسلامية والدساتير الوضعية التي يسمونها"شرعية", فلا اعتراض على رغبة الشعب, ولتكن الدولة علمانية!
يقول صلي الله عليه وسلم: (من لم يحمد الله على ما عمل من عملٍ صالحٍ وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله. ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه) [رواه ابن جرير] .
وطبعًا إذا اجتمعت الشريعة الغرَّاء والشرعية المزعومة في دستور واحد, فالغلبة للشرعية دون الشريعة إذا اختلفا في مسألة من المسائل, تطبيقًا للقاعدة التي كان يتبعها المشركون في مكة: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} .
إننا بمجرد عرض الشريعة على الاستفتاء الشعبي نكون قد أوقعنا أنفسنا والمسلمين في دائرة الهلاك؛ لأن من يقول:"نعم للشريعة فقط"، دون شراكة من أي نوعٍ للقوانين الوضعية, وحتمية التنفيذ دون تعديل ولا تأجيل فذاك هو المؤمن.
وأما من رفض تطبيق الشريعة جملةً وتفصيلًا, وقدح في أحكامها وصلاحية تطبيقها في العصر الحاضر فذاك الكافر.
وأما من أراد أن يجمع بين الشريعة والشرعية المزعومة, فذاك المشرك, وذلك مما يجب أن يُعْلَم من الدين بالضرورة.
ولعل التساؤل حول قبول تطبيق أحكام الشريعة يشبه استفتاح الصلاة بدلًا من التكبير بصيغة الإقرار:"الله أكبر"بالتكبير, بصيغة الاستفهام:"ءآلله أكبر؟"، فهل تقبل تلك الصلاة؟ وهل يعتبر المتسائل مسلمًا؟
إن شريعة الله أعلى وأجلَّ من أن تعرض على عامة الناس: الصالح منهم والطالح, والمؤمن والمنافق, والمسلم صحيح الاعتقاد وأصحاب البدع والطرق والمذاهب الشاذة أو الخارجة عن الإسلام لتشريحها والأخذ ببعضها أو ردها بالكلية, مثلما حدث عند صياغة الدستور الموقت للعراق من الاختلاف حول الاعتراف بالشريعة الإسلامية: هل هي المصدر الرئيس للتشريع أي تقبل معها شركاء وفي هذه الحالة لها الأفضلية, أم أنها أحد مصادر التشريع فتستوي مع بقية المصادر فإن شاؤوا عملوا بها وإن شاؤوا اختاروا المصادر الأخرى, أم أنها ليست من مصادر التشريع بالكلية!
فأي كفر أكبر من هذا الكفر! وأي استهزاء ولعب بدين الله من قبل أرباب موائد القمار والحانات الذين تربوا في أمريكا وأوروبا, والضآلين من أتباع المذاهب الشاذة والمنحرفة الذين كانوا لا شيء ثم يريدون أن يكونوا كل شيء!
إن قبول التحليل والتحريم من الدساتير الوضعية وإطاعة البشر في ذلك شرك بالله, لأن الذي يحلل ويحرّم هو الله سبحانه وتعالى؛ فمن أحل ما حرّمه الله أو حرّم ما أحله, فقد جعل نفسه ندًا لله, وادّعى الربوبية.
والذي يطيعه فقد عبده من دون الله كما أوضحه النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا عدي بن حاتم رضي الله عنه من أن سبب كفر من كفر من بني إسرائيل أن أحبارهم ورهبانهم أحلّوا لهم ماحرّمه الله, وحرّموا عليهم ما أحله لهم, فأطاعوهم في ذلك.
يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفآء فجآءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرّمت عليهم ما أحللت لهم) [رواه مسلم] .
ويقول تعالى في القرآن الكريم: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
وكيف يدّعي الإيمان من لا يرضى بالله حكمًا؟! وكيف يدّعي الحب من يطيع غير سيده وخالقه ومولاه؟!
يقول الله عزّ وجلّ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} .
يقول سيد قطب رحمه الله:(إن الناس في جميع الأنظمة الأرضية يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، يقع في أرقى الديمقراطيات، كما يقع في أحط الديكتاتوريات سواء ...
إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبيد الناس، حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والموازين، وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس في صورة من الصور، ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس على أي وضع من الأوضاع، وهذه المجموعة التي تُخضع الآخرين لتشريعها وقيمها وموازينها وتصوراتها هي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أربابًا من دون الله، وإن لم يسجدوا لها ويركعوا، فالعبودية عبادة لا يتوجه بها إلا لله.
وقال: أظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية تعبيد العبيد، والتشريع لهم في حياتهم وإقامة الموازين لهم، فمن ادّعى لنفسه شيئًا من هذا كله فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية، وأقام نفسه للناس إلهًا من دون الله ...
عندما يدّعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته، وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته، فهذا هو ادعاء الألوهية، ولو لم يقل كما قال فرعون: {أنا ربكم الأعلى} ، والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر، وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد.
فأيما بشر ادّعى لنفسه سلطان التشريع للناس من عند نفسه فقد ادّعى الألوهية اختصاصًا وعملًا، وأيما بشرٍ آخر اعترف لذلك البشر بذلك الحق فقد اعترف له بحق الألوهية سواء سماها باسمها أم لم يسمها ...
إن الذي يملك حق التحريم والتحليل هو الله وحده، وليس ذلك لأحد من البشر، لا فرد ولا طبقة ولا أمة ولا الناس أجمعين إلا بسلطان من الله وفق شريعة الله) [7] .
وهنا لابد من الإشارة إلى خطورة الزّج باسم الإسلام في العملية الانتخابية والديمقراطية عامةً, تحت مسميات متعددة, ورفع شعارات إسلامية خلال الحملة الانتخابية.
فالأحزاب الإسلامية - وهذه هي القاعدة - لن تنجح في الحصول على الأغلبية المطلوبة, وعندها سيقال إن الشعب رفض الإسلام وأراد العلمانية, والشعب من ذلك براءٌ, لأن الانتخابات لا تمثل القاعدة العريضة فعليا, ونسب التصويت المتدنية, وعزوف الجماهير عن المشاركة في العملية الانتخابية برمتها أمر معروف للجميعً.
والذي صوّت منهم لصالح الأحزاب العلمانية أو اليسارية أو اليمينية؛ فإنما كان ذلك خوفًا من السيف والجلاد, أو جهلًا بحكم الإسلام فيما فعلوه, أو لتحقيق مكاسب شخصية, أو سيرًا مع التيار السائد ونصرة عصبية.
والذين لم يدلوا بأصواتهم - وهم الأغلبية الساحقة - أرادوا رفع الحرج عن أنفسهم والتعبير"سلبيًا"عن رفضهم بالامتناع عن التصويت كما حدث في الانتخابات الرئاسية المصرية مؤخرًا حيث لم يدل بأصواتهم إلا 23 % فقط ممن يحق لهم التصويت - بغض النظر عما قيل من عملية التزوير الفاضحة لصالح مرشح الحزب الحاكم والرئيس الحالي مبارك - ولكن هذا لا يعفيهم من المسؤولية لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس, وليس معنى ذلك الدعوة لاشتراك الجماهير في التصويت, ولكن يجب على الأمة أن تعلن رفضها للنظام الديمقراطي برمته, والانتخابات وما يترتب عليها من نتائج؛ لأن المسألة تتعلق بعقيدة الأمة والتوحيد, وتسليم حاضر الأمة ومستقبلها للنظام الحاكم ومن يدورون في فلكه ويحظون برضاه يتلاعبون بهما باسم الديقراطية والنيابة عن الأمة, فلا يجوز اتخاذ موقف سلبي حيالها لأنهم بذلك يعطون الفرصة للحكومة لترتكب كل ما ترتكبه باسم الشعب.
وحتى لو فرض أن أحد الأحزاب الإسلامية استطاع الحصول على الأغلبية المطلوبة وتشكيل الحكومة فسيكون ك"من يملك ولا يحكم"، وسنشرح ذلك بالتفصيل عند الكلام عن الديمقراطية في تركيا.
لذا يجب أن ننأى بالإسلام عن المزايدة, وأن يدّنس اسمه ورسمه خلال الحملة الانتخابية من خلال وسائل الإعلام المقروءة والمرئية في صورة الاستهزاء بالعلماء واللحية والحجاب والعمامة وغيرها عن طريق الهَمَل من السياسيين ومدّعي الفن!
والله سبحانه وتعالى قدّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله لمن أراد الاستمساك بالعروة الوثقى في قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
وإعطاء الحاكمية للشعب هو إيمان بالطاغوت وليس كفرًا به.
جاء في الدستور الأردني - كمثال لبقية دساتير الدول العربية والإسلامية: (المادة 24: 1/ الأمة مصدر السلطات. 2/ تمارس الأمة سلطاتها على الوجه المبين في هذا الدستور، المادة 25: تناط السلطة التشريعية بمجلس الأمة والملك، ويتألف مجلس الأمة من مجلسي الأعيان والنواب) .
وكذلك شرع الله القتال للقضاء على الفتنة حيث يقول تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .
فمن لم يجعل الأمر كله لله فقد أراد الفتنة أو على الأفل فقد ارتضاها.
والأمر الأشد خطرًا في الزّج باسم الإسلام في"اللعبة الديمقراطية"والدخول في تحالفات سياسية لتشكيل حكومة أقلية أو حتى الجلوس في المعارضة, ذلك الأمر هو تمييع قضية الولاء والبراء, بالكف عن التشهير بقادة الأحزاب المخالفة للشريعة ونقد برامجها ورموزها؛ وإلا فإنهم لن يدخلوا معنا في تحالف, أو التعرض لإسقاط العضوية ومواجهة المحاكم بتهمة التشهير والطعن, والكفر بالنظام العلماني للدولة.
والله سبحانه وتعالى ينهى عن الركون لهؤلاء في قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} .
ولا ولايتهم وطلب النصرة والعون منهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} .
وأنّى لمن أراد أن يقيم الشريعة الإسلامية ويطبقها في حياة الناس أن يتحالف أو يستنصر بألد أعدائها الذين يعملون ليلًا ونهارًا لنشر الرذيلة والفساد بين المؤمنين, ويمكرون ليصدوا عن سبيل الله؟! حتى وإن زعموا أنهم مسلمون يصلّون ويعتمرون, والله يبين حكمهم ويفْصل في أمرهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} .
فأولئك الذين يريدون أن يجعلوا أحكام الشريعة عضين فيؤمنون ببعضها فيطبقونه, ويكفرون ببعضها فيهملونه, ويريدون أن يتخذوا بين الشريعة والدساتير الوضعية الأخرى سبيلًا, لا يخرجون عن تلك القاعدة الرّبّانية.
إن الإسلام يفرض علينا أن نعادي طوائف الكفر والظلم والفسوق والعصيان والابتداع في الدين, وأن نفضح سوءاتها والقائمين عليها حتى لا يغتر بهم أحدٌ من المسلمين فيفتن بهم, أو من غير المسلمين فتصده عن سبيل الله, أو يظن أنهم يمثلون الإسلام, ويجب أن نعلنها مدويةً كما أعلنها سيدنا إبراهيم أبي الأنبياء صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه لقومهم: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} .