فهل يا ترى يستطيع سالك درب الديمقراطية تطبيق هذه القاعدة؟
إن الديمقراطية تفرض على منتهجها أن يتعامل بأدب ولطف مع الآخرين مهما كانت نوعياتهم.
ومجاملتهم ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم, واستخدام الألفاظ التي تناسب كل قيادي منهم في الساحة على حسب مكانته وسلطته, لا على حسب خلقه ودينه.
يقول صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجلُ يلقى الرجلَ فيقول له: ياهذا اتق الله ودع ما تصنع, فإنه لا يحل لك. ثمّ يلقاه من الغد وهو على حاله, فلا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض, ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} .
ثمّ قال صلى الله عليه وسلم: (كلا والله لتأمرنَّ بالمعروف, ولتنهنَّ عن المنكرِ ولتأخُذُنَّ على يد الظالم, ولتأطرنه على الحق أطرًا, ولتقصرُنَّه على الحق قصرًا, أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعضٍ, ثم ليلعنكم كما لعنهم) [رواه أبوداود والترمذي وقال: حديث حسن] .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن ناسًا قالوا له: إنَّا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم) !
قال ابن عمر رضي الله عنهما: (كنَّا نعدُّ ذلك نفاقًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) [رواه البخاري] .
يقول الشيخ أبو الوليد الفلسطيني حفظه الله في تعليقه على الكتاب:(ومن طالع تاريخ الدولة العثمانية وتأمل في عوامل انهيارها وأسباب سقوطها رأى كيف كانت الحريات المزعومة في الدين والعلم والتجارة وفتح كنوز البلاد للأفرنج باسم السياسة والدبلوماسية وإعطاء الأقليات من اليهود والأرمن وغيرهم الحقوق المدعاة, وكيف كانت تلك الأقليات سببًا في إثارة القلاقل والفتن وضعف الأمن داخل البلاد, وكيف جعل الغرب كثيرًا من وزراء الدولة العثمانية ورجالها وبعض رؤساء الدين فيها شبكة لصيدهم وسيفًا مسمومًا يطعنون به في أحشاء الأمة حتى الـ الأمر إلى زوال سلطان الخلافة وإبعاد أسرة الـ عثمان من البلاد, ولله الأمر من قبل ومن بعد.
فثمار الديمقراطية التي يجنيها المسلمون اليوم مرًَّا وحنظلًا من جنس ما جناه مسلمو الأندلس والمسلمون بعد سقوط الخلافة العثمانية, وإن اختلف الزمان والمكان, والله أعلم)اهـ.
ومن بين المحاذير والسقطات التي لابد من الوقوع فيها للدخول في ائتلاف مع الأحزاب الأخرى, الإقرار بتعيين من يرشحونهم أيًا كانت صفاتهم وجنسهم: رجل أو امرأة، طاهر أم فاجر، مسلم أو زنديق. عالم أم جاهل، ونحمّل أوزارهم للدين والشريعة من خلال ربط أنفسنا بهم أمام الرأي العام.
وحتى من داخل الحزب نفسه يتم مراعاة القبلية والعشائرية والشعبية على حساب العلم والكفاءة والأهلية لتولي المناصب القيادية وذلك على الرغم من علم قادة تلك الأحزاب لحكم الشريعة بعدم جواز ترشيح أحدٍ للمسئولية أو العمل وهناك من هو أكفأ وأحق بذلك منه لأن ذلك خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.
عن ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استعمل عاملا من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين) [سنن البيهقي الكبرى] .
وكذلك من الأمور المستنفرة تزكية النفس, لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون يظنون أنفسهم الأكفأ والأخلص والأطهر, والله أعلم بمن اتقى.
ويدخل في ذلك الحرص على الإمارة أو تولي أمر من أمور المسلمين.
لقوله صلى الله عليه وسلم: (لن نستعمل على عملنا من أراده) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنكم ستحرصون على الإمارة, وستكون ندامةٌ يوم القيامة, فنعم المرضعة وبئست الفاطمة) [رواهما البخاري] .
أضف إلى ذلك الكبر والعجب, والحسد, وحب الظهور ... إلخ من أمراض القلوب التي تصيب الإنسان الذي تتابعه الكاميرات ووسائل الإعلام لتكتب أقواله وأفعاله وتنشر صوره في كل تلك الأحوال.
هذا كان بالنسبة لقادة الأحزاب المنضوية تحت لواء الديمقراطية سواء كانت إسلامية أم غير إسلامية.
أما جماهير تلك الأحزاب والمناصرين لها أو الذين يصوِّتون لصالحها, فلهم عثرات وزلات تنتظرهم خاصة تلك الأحزاب التي ترفع شعارات مخالفة لكتاب الله عزّ وجلّ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو التي تدعو إلى القومية والعصبية القبلية وتتاجر بقضايا القبائل والعشائر والعرقيات.
ولعل من أخطر هذه الأخطاء التي قلما ينتبه لها الناس أو يلفت العلماء انتباههم لها ويبينوا لهم خطورتها:
1)التعاون على الإثم والعدوان:
فالذي يؤيد فردًا من الأفراد أو حزبًا من الأحزاب, وهو يعلم سوء طويته ومقصده من ترشيح نفسه في الانتخابات, مشارك لذلك المرشح في الإثم ومعاون له على معصية الله إن أساء استغلال مقعده في المجلس النيابي أو الوزارة, لأن"من دعا لظالمٍ بطول البقاء فقد أحب أن يُعْصى الله", فكيف بمن وافقه ونصره, ودعمه ليعصى الله بنفسه ويدفع الآخرين أو يجبرهم على عصيانه؟
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أعان ظالمًا ليدحض بباطله حقًا فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله) [المعجم الكبير للطبراني] .
ولذا يجب على من يفعل ذلك عن علم أم فعله عن جهلٍ ثم علم أن ينكر عليهم ويسعى في تغيير المنكر؛ وإلا فسيشاركهم أوزارهم كاملة من تشريع غير ما أنزل الله وما قد يرتكبونه في حق الأمَّة من سرقة واختلاس ورشوة وخيانة ... إلخ.
2)العصبية الجاهلية:
تعتمد معظم الأحزاب في الدول المتخلفة أساسًا على نشأتها على خلفية عصبية: إما عصبية عرقية, أو عصبية طائفية, أو عصبية عشائرية, أو عصبية دينية مذهبية ... إلخ.
والكل يستميت في الدفاع عن العصبية التي يدين بالولاء لها.
وكل هذه العصبيات في النّار إلا ما كانت"لتكون كلمة الله هي العليا"، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من قاتل تحت راية عمّيّة فمات مات ميتة جاهلية) .
وهذه العصبية قد توقع صاحبها في كثير من كبائر الذنوب منها:
أ) شهادة الزور:
فكل من يؤيد حزبًا أو شخصًا ويمنحه صوته ليدخل المجالس النيابية ويمثل الأمة فيها وهو ليس أهلًا لها, فقد شهد شهادة الزور وهي من أكبر الكبائر.
لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله, وعقوق الوالدين - وكان متكئًا فجلس، فقال - ألا وقول الزور, ألا وشهادة الزور, فمازال يكررها) [متفق عليه] .
لأن ذلك تعديل لشخص مجروح, وتحسين لشخص مقبوح, وتمكين لفرد مقدوح, لاستغلال المنصب وهو آمن في تحقيق الثراء المحرّم, والكسب غير المشروع, والاستعلاء على الناس بدون حق.
ب) التغاضي عن الأصل والمعدن:
فالأصل في السياسة الحديثة - عامة - والديمقراطية - خاصة - التغاضي عن التفتيش في ماضي الزعامات والقيادات, وما عُلِمَ من سوء منبت أو تاريخ مشين, أو جهالة أصل ونسب, يُنْسى أو يُنَسَّى؛ وآلة الإعلام الجبارة كافية للتغطية على السوءات, وإظهار الهزائم كبطولات, وتحسين الوجه القبيح.
ولكن المؤمن لا يتغاضى عن الأصل خاصة فيمن ينتخبه لأنه سيتحمل تبعة هذا الانتخاب, إنْ قصَّر في هذا الأمر الخطير الذي يتعلق بمصير الأمة.
فالمؤمن مكلف في الأمر المتعلق به شخصيًا في مثل قضية الزواج أن يُحْسِن اختيار الزوجة, لقوله صلى الله عليه وسلم: (تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم) [المستدرك على الصحيحين] .
فكيف بمن يتعرض لقيادة الأمة ويؤتمن على أعراض المؤمنين جميعًا وأرواحهم وممتلكاتهم؟
والذي يتقدم لإمامة المسلمين وقيادتهم لابد وأن يكون حسن السمعة طيب المنبت.
لقوله صلى الله عليه وسلم: (تجدون الناس معادن, خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا, وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهيةً, وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجه) [رواه البخاري] .
فأبناء سلالة الخيانة والزندقة وجهالة الأصل لا يؤمل فيهم خيرٌ, ويجب أن ينحّوا عن التحكم في رقاب المسلمين وأموالهم.
ج) المخاصمة بالباطل:
يقول الله عزّ وجلّ لرسوله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} .
قيل في سبب نزول هذه الآيات أن طعمة بن أبيرق وكان من المسلمين سرق درعًا وخبَّأها عند يهودي, فوجدت عند اليهودي, فرماه"طعمة"بها, وحلف أنَّه ما سرقها. فسأل قومه النبي صلى الله عليه وسلم أن يجادل ويخاصم عنه ويبرئه, فنزلت تلك الآيات.
قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشرٌ, وإنه يأتيني الخصم, فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض, فأحسب أنه صدق, فأقضي له بذلك. فمن قضيت له بحق مسلمٍ, فإنما هي قطعة من النّار, فليأخذها أو ليتركها) [رواه البخاري] .
فمن يدافع عن فرد من الأفراد وينصره وهو يعلم منه سوء السلوك والأفعال. أو عن حزب من الأحزاب وهو يعلم من دستور الحزب وقانونه الأساسي, وبرنامجه الذي طرحه أنه مخالف لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وشريعته, ويبغي الفساد في الأرض؛ فهذا ممن يخاصم بالباطل, ويشترك في الإثم هو والقائم به سواءٌ.
د) الطاعة في إطفاء السُّنة ومعصية الخالق:
من بين المسلمات في النظام الديمقراطي الالتزام بمبادئ الحزب وقراراته التي اتخذت بالأغلبية, وعدم الخروج عن الطاعة للمحافظة على وحدة الصف مهما كانت تلك المبادئ أو القرارات مخالفة للشرع أو حتى القناعة الشخصية, وبذلك يقع الناخب أو العضو في الحرج بين أن يعصي الله عزَّ وجلَّ إن أطاع سادة الحزب وكبراءه.
وقد قال رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه: (سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السُّنة ويعملون بالبدعة, ويؤخرون الصلاة عن وقتها) ، فقلت: يارسول الله! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: (لا طاعة لمن عصى الله) [خرَّجه أحمد وابن ماجه والطبراني وصححه أحمد شاكر رحمه الله] .
وبين أن يتعرض للحرب من قادة الحزب وكوادره العليا ماديًا وإعلاميًا إن خالفهم في ذلك, خاصةً إن ارتبط الرفض بمحاولة تغيير ما يعتقد عدم صحته شرعيًا أو منطقيًا, وتكوين جبهة معارضة داخل الحزب أو الجماعة, وغالبًا ما ينتهي به الأمر إما في السجن وإما في القبر, فإن كان العضو ذا شوكة ووراءه من يدعمه ويحرِّضه من أتباع الزعيم أو الحكومة فغالبًا ما ينشق عن الحزب الذي ينتمي إليه ويكوِّن حزبًا جديدًا وربما يأخذ نفس الاسم مع إضافة بسيطة حتى يتميز عن الحزب الذي انشق عنه.
ه) قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق:
لعل من أخطر مظاهر التنافس الحزبي والأثر المدمّر للديمقراطية الزخرفية - خصوصًا - هو وقوع مصادمات مسلحة بين أنصار الأحزاب المتنافسة, وأحيانًا سقوط قتلى وجرحى من الطرفين, وهذا من أبشع ما يمكن أن يقع فيه المسلم دفاعًا عن باطلٍ - أو حتى ما يظنه حقًا - تجاه أخيه المسلم, لأن الانتماء لحزب منافس أو العمل لحسابه لا يبيح دم المسلم, إلا إذا انتمى إلي حزب كافر عندنا من الله فيه برهان مع قيام الحجة ووضوح المحجة وانتفاء عوارض الجهل والتأويل والإكراه وغير ذلك مما هو معروف مقرر في مواضعه عند العلماء, أو فعل ما يستوجب عليه القتل طبقًا لأحكام الشريعة.
قال الله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} .
وقال صلى الله عليه وسلم: (من حمل علينا السلاح فليس منا) [رواه البخاري] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (لو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على قتل مسلم لكبَّهم الله جميعًا على وجوههم في النّار) [رواه الطبراني في الصغير] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ بالسيوف) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا) .
وإذا استطردنا في ذكر الآيات والأحاديث التي تحذر من ذلك فسيخرج الموضوع عن إطاره, ويكفي أن المقتول يأتي يوم القيامة حاملًا رأسه في يده يقطر دمًا, وهو يجرُّ قاتله فيقول: (يارب! إن هذا قتلني) ، فيقول الله له: (لم قتلته؟) ، فيقول: (قتلته لتكون العزة لفلان) ، فيقول: (إنها ليست لفلان) ، فيبوء بإثمه [السنن الكبرى] .
يقول الله جلّ وعلا: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} .
ومعنى الآية: من كان يريد الشرف والمنعة فيجب عليه أن يكتسب العزّة من الله تعالى, فإنها له, ولا تُنال منه إلا بطاعته.
ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (كل عزٍّ ليس بالله فهو ذلٌ) .
سئل أحد الأئمة: من هم سفلة السفلة؟ قال: (الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم) !
فهذا المسكين الذي ظلم نفسه وأوردها المهالك وباع دينه وآخرته بدنيا غيره من الساسة والمسئولين, وسفك من أجلهم الدَّم الحرام, سيأتي يوم القيامة مفلسًا, فلم يكف إفلاسه في الدنيا وشقاؤه وكده فيها, حتى أضاف إليه إفلاسًا في الآخرة.
فقد قال صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟) ، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (إنَّ المفلس من أمتي من يأتي بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ, ويأتي قد شتم هذا, وقذف هذا, وأكل مال هذا, وسفك دم هذا, فيُعْطى هذا من حسناته, وهذا من حسناته, فإنْ فنيت حسناته قبل أنْ يقضي ما عليه, أُخِذَ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) [رواه مسلم] .
وفي الوقت الذي يعاني فيه شظف العيش ويفتقد أدنى مقومات الحياة الكريمة فإنَّ قادة الحزب وكوادره العليا يرفلون في النعيم ويتمتعون بزهرة الحياة الدنيا من ملبس ومأكل ومسكن ومركب وأزواج مستفيدين من التبرعات والمساعدات التي يجمعونها باسمه هو والكادحين مثله.
[6] تيسير الكريم الرحمن للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، ص 62.
[7] في ظلال القرآن: 1/ 471.