فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 104

قبل أن نستعرض التطبيق الديمقراطي والوضع السياسي والاقتصادي في بعض الدول الإسلامية الكبيرة التي طبقت الديمقراطية"الصورية"؛ نستعرض أولًا ما يمكن تحقيقه عن طريق الديمقراطية إذا حصلت الأحزاب الإسلامية أو الإصلاحية - كما تسمى بعض الأحزاب - على نسبة كبيرة من مقاعد المجلس النيابي لكنها لم تحصل على الأغلبية المطلقة - كما هي القاعدة - ومن ثَمَّ اضطرارها للدخول في ائتلاف سياسي لتشكيل الحكومة.

فما هي الحقائب الوزارية التي ستحصل عليها تلك الأحزاب يا ترى؟

إن رئاسة الوزارة ووزارات الدفاع والداخلية والخارجية والمالية - أي ما يسمى بالوزارات السيادية - أبعد من أن تسند إليهم كما يبعد عنهم الكوكب الدري الغابر في السماوات العلى, وحتى لو أسندت إليهم لغرض في بطن الحاكم, فالحدود التي يتحركون فيها معروفة ومتفق عليها, وحتى تسوء صورتهم أمام الناس فإذا تدخل الحاكم وأقال الحكومة فلا يأسى عليها أحد.

فمعنى ذلك أن يستمر المجتمع تحت سيطرة نظام الحكم - الشرطية الاستخباراتية -والالتزام بدستور الدولة العلماني الشركي, والذي يطلق يد الحاكم في الهيمنة الكاملة على مجريات الأمور, والجيش يحميه ويدعمه.

وأن تظل السجون والمعتقلات ومراكز الاستجواب عامرة بساكنيها من المسلمين المستضعفين والمغضوب عليهم من النظام, بدون جريرة ولا تهمة ولا تحقيق عادل ولا حماية من العذاب الذي لم تشهده البشرية في تاريخها الطويل ومعلوم للجميع.

وأن يظل النفاق هو السائد في علاقاتنا الخارجية, والدخول في تحالفات واتفاقيات ضد مصالح المسلمين ومجتمعاتهم دون القدرة على الاعتراض.

واستمرار مسلسل استنزاف ثروات المسلمين ومقدراتهم وتهريبها للخارج دون عائد على المجتمعات؛ كما يستمر التعامل بالرِّبا والمكوس وغيرهما من المعاملات المالية المحرّمة ليحل علينا سخط الله, ونستمر في محاربة الله وحربه علينا, لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} ، ويقول عزّ من قائل: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .

وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من أكل درهمًا من ربا فهو مثل ثلاثة وثلاثين زنيةً, ومن نبت لحمه من سحت فالنّار أولى به) [المعجم الكبير للطبراني] .

وقد سمي المال الذي يكتسب من وجه حرام سحتًا؛ لأنه يمحق الحلال ويستأصله.

-فإن قيل: إنَّ وزارات التعليم والثقافة والإعلام هي المسئولة عن تشكيل الرأي العام وتكوين الشخصية والعقلية وتغيير سلوكيات المجتمع وقيمه, وهي لا تقل أهمية عن الوزارات السيادية لو أحسن استغلالها!

فنقول: إنه من المستبعد أيضًا إسناد هذه الوزارات للمسلمين الصالحين.

وحتى لو أسندت إليهم: فهل يمكن إيقاف هذا السيل الجارف الهدّام من كتب وبرامج ثقافية وعلمية تروج للملل والأفكار الشاذة والمنحلة؟

وهل سيتم تكميم أفواه علماء السوء والمنظِّرين لتلك الأفكار والمعتقدات حتى لا يدعو لباطلهم؟

وكيف تتم السيطرة على وسائل الإعلام والنوادي الليلية ودور السينما والمسرح وأندية الفيديو والإنترنت وغيرها للقضاء على العهر الذي تروج له, وأجهزة الأمن والحكومة تدعمها وتحرسها وتنفق عليها بعشرات الملايين في أفقر الدول؟

وهذه الجيوش الجرّارة ممن يسمون بالفنانين والأدباء والشعراء الإباحيين وأعمالهم كيف سيتم التصرف معهم؟

وهل سيسمح - داخليًا أو خارجيًا - بهدم تلك الأصنام البشرية أو الحجرية التي انتشرت في جسد المجتمعات المسلمة كالسرطان؟

بل لو أعطينا وزارات الحج والأوقاف والدعوة والعدل - وهي أضعف الوزارات وأقلها أهمية من حيث التصنيف السياسي - هل نستطيع محاربة الفرق المرتدة والصوفية المنحرفة, أو هدم المقابر التي تعبد من دون الله؟

أو منع إقامة الموالد والأعراس للأضرحة والأولياء, والحج إلى أضرحتهم بدلًا من حج بيت الله الحرام, خاصة أن الدول تحرسها, ويشارك كبار المسئولين فيها, كما يحدث في باكستان - مثلًا - حيث يحضر رئيس الوزراء والوزراء والمحافظون"موالد"أو"أعراس"كبار الأولياء ومراسم إلباس قبورهم الثوب الجديد, وتستفيد الدولة من هذا الشرك الأكبر الصريح بوضع صناديق للتبرعات أمام هذه الزيارات وتقتسم الغنيمة مع القائمين عليها ووجهاء المنطقة؟!

وهل نستطيع معاقبة من يتطاول على شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أو يستهزئ بالقرآن والسنّة, ويطعن ويشكك في أحكام الشريعة وصلاحيتها للتطبيق في مجتمعاتنا ممن يتسمون بأسمائنا ويدّعون الإسلام, أو حتى ممن لا يدينون بديننا كالنصارى, أو المرتدين كالقاديانية والحبشية, أو المشركين كالبريلوية؟

وهل يمكننا فرض القوانين الإسلامية وأحكام الشريعة على القبائل والعشائر والمجموعات ذات السطوة والشوكة, وإلزامهم باتباعها والتحاكم إليها وترك العمل بقوانينهم ومحاكمهم التي تذكِّرنا بال"الياسق"؟

وهل يمكننا إيقاف العمل بالقوانين الوضعية في المحاكم, وإقامة الحدود على الجميع دون تفرقة بين شريف ووضيع وأمير وخفير؟

بل هل نستطيع القضاء على حملات التنصير في بلادنا, والتخلص من تلك المؤسسات الغربية التي تتستر برداء الإنسانية والخدمة الاجتماعية لتنصِّر أكبر عدد من المسلمين, حتى تحول المسلمون إلى أقلية في كثير من الدول الأفريقية والفقيرة, ووصول رئيس يدَّعي الإسلام وهو نصراني أو يهودي الأصل, أو علماني الاعتقاد والفكر, إلي سدة الحكم في دولة مسلمة؟!

وهل ... ؟ وهل ... ؟ أسئلة كثيرة لو استطردنا فيها فلن يكفي مجلد لذلك, ونترك القارئ ليطلق لنفسه العنان في التفكير بهذه الطريقة؛ ليدرك استحالة التغيير المنشود عن طريق الديمقراطية.

ولذا نقول بكل ثقةٍ ويقينٍ؛ إنه لا خير في الديمقراطية أبدًا, ولو كانت خيرًا لما ساقته الدول الاستكبارية والاستدمارية ليطبق في بلادنا بالقوة العسكرية أو بالضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي, ولما ادّعت أمريكا أنها غزت العراق للقضاء على الحاكم الديكتاتور وإقامة نظام ديمقراطي مسالم مكان نظامه؛ فهل يعقل أن أمريكا تريد الخير للمسلمين؟!

ونقول: انظروا لأي شعب من الشعوب التي أخذت بالديمقراطية - سواء العريقة منها أم الحديثة - ستجدون أن الخط البياني للنمو الاقتصادي والازدهار الحضاري والثقافي, والالتزام بالقوانين التي تحمي حقوق الإنسان وتساوي بين جميع أتباع الدولة؛ آخذ في الانحدار السريع, في الوقت الذي يتصاعد فيه خط البطالة والفقر والتخلف الثقافي وزيادة الفوارق بين طبقات المجتمع, والسقوط الروحي والديني المريع.

هذا بالإضافة إلى ارتفاع معدل الجريمة المنظمة والإدمان وتعاطي المخدرات, والتفكك الأسري, وارتفاع نسبة الطلاق وانخفاض معدل الزواج, وانتشار الأمراض الجنسية الخطيرة نتيجة الممارسات الشاذة والمحرَّمة؛ كل ذلك نتيجة مباشرة للديمقراطية والحرية الإباحية التي تمنحها الحكومات للمواطنين وإلا فسيسقطونها في أول انتخابات عامة إن لم يتم حجب الثقة عنها وتضطر للاستقالة الفورية.

ولو كانت الديمقراطية خيرًا لأفادت أهلها أولًا, ولكنها كالسحر الذي لا يفيد الساحر, حيث يعيش ويموت في أفقر حال وأسوأ مآل, ولو نفعه سحره فأغناه لنفع غيره من العباد.

بل حتى على المستوى السياسي والتطبيق الديمقراطي؛ ضعفت الأحزاب القوية التي كانت تنادي بمبادئ وقيم قريبة من مبادئ وقيم المجتمعات المحافظة, وظهرت على حسابها الأحزاب اليسارية واليمينية المتعصبة وذات الأفكار والميول الشاذة والمنحلّة.

وانشقاقات في داخل الأحزاب الكبيرة.

وحكومات هشة تسقط باستقالة وزير.

ورئيس الدولة من حزب ووزيره الأول من حزب آخر.

وفضائح للممارسات غير المشروعة وغير الأخلاقية التي يمارسها الساسة للوصول عن طريق الانتخابات لسدة الحكم - كما حدث في الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وغيرها -

إنَّ من أهم متطلبات الديمقراطية - كما فهمنا من المنظِّرين لها - ارتفاع المستوى العلمي والثقافي لدى غالبية أفراد الشعب، وكذلك ارتفاع مستوى المعيشة حتى يستطيع المواطن العادي ممارسة حقه السياسي بكل حرية واستقلالية وكرامة, وهذا مفتقد في بلاد المسلمين - إلا ما ندر - الذين يموت الآلاف منهم يوميًا بسبب الجوع ونقص التغذية, والامراض الفتَّاكة التي تطحنهم لا يملكون ثمن الدواء لها، وازدياد حالات الانتحار للشباب والرجال في مقتبل العمر يأسًا من تحسن الحال أو عدم القدرة على توفير أدني متطلبات الحياة.

فماذا تفيد الديمقراطية في هذه الحالة؟!

إن الفقير الجائع لا يريد بطاقة انتخابية ليمارس بها حقه الطبيعي في التصويت, وإنما يحتاج إلي الخبز وما يأتدم به.

والمسكين الذي لا يستطيع أن يقف على قدميه ليواجه مشاكل الحياة لا يحتاج للقوائم الانتخابية ليتوكأ عليها, بل يحتاج للمال الذي يتكسب به ويغنيه وأهله عن سؤال الناس!

والذي يتقلب على الحصير البالي من شدة البرد, لا تبعث لوحة الدعاية الانتخابية الدفء في أوصاله فيستطيع النَّوم العميق, ولكن يبعثه لحاف أو غطاء صوفي ثقيل.

والأمر المؤسف؛ أننا لا نعتبر بتجارب الآخرين خاصة في تركيا والجزائر, وقد رأى العالم أجمعه ما حدث فيهما من انقلاب عسكري سافر على الاختيار الشعبي ممثلًا في حزبي"الرفاه"بقيادة نجم الدين أربكان و"الجبهة الإسلامية للإنقاذ".

فمهما أعطى المسلم من مواثيق وتعهدات كتابية وشفهية بالسير على خطى الزعيم مؤسس الدولة, والالتزام بدستور الدولة العلماني والقوانين الوضعية, وضمان حقوق المرأة والأقليات الدينية والعرقية ... إلخ، وتبرأ من الجهاد بالسلاح ومن الأحزاب الجهادية التي تُتَهم من قبل الغرب بالتطرف والإرهاب, ومن نموذج أفغانستان وحكومة الطالبان وثقافة الكلاشنكوف ...

مهما فعل ذلك وأكثر منه فلن ترضى عنه القوى الكبرى أبدًا, وسيشككون في كل قرار يتخذه وسينتهزون أول فرصة للإيعاز للحاكم بإقالة الحكومة وحل البرلمان, والاكتفاء - ذرًا للرماد في العيون - بشجب هذا الانقلاب السافر على الديمقراطية! ومطالبته بسرعة العودة إليها وإجراء الانتخابات.

وصدق الله القائل: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} .

ولهذا لم يفد نجم الدين أربكان القسم باحترام دستور الدولة العلماني, والسير على خطى الزعيم اليهودي الهالك كمال أتاتورك, ولا شفع للجبهة الإسلامية ذلك التأييد الشعبي الهادر, وحصْدها لأصوات الناخبين حصدًا.

كما أن الوقت ليس له قيمة عندنا, فنحن نعوِّل على الانتخابات القادمة بعد فترة قد تطول أو تقصر - على حسب هوى الزعيم - فإذا حان أوانها لم نستطع مجاراة منافسينا في الحملة الدعائية قبل إجراء الانتخابات, لأن قوام تلك الحملة؛ الوعود الكاذبة, الأماني المعسولة, الرشاوى, شراء الذِّمم, نشر الأكاذيب والافتراءات ضد الخصوم, اغتيال الناشطين من أنصارهم ومرشحيهم, التوسط لإطلاق المجرمين والمحاربين لله ورسوله ممن ينتمون للقبائل والعشائر استرضاءً لهم وشراء زعمائهم بشتى الوسائل ... إلخ.

وفوق هذا وذاك فنحن نعلم سلفًا أن التزوير في الانتخابات أمر حتمي, وإصدار قوانين - تفصيل - منظِّمة للانتخابات ولتوزيع المقاعد وعددها بما يخدم مصلحة النظام والحزب الحاكم أمرٌ بدهيٌ, والتدخل السافر من أجهزة الأمن ورؤساء اللجان الانتخابية لصالح الحزب الحاكم أمرٌ واقعيٌ, رغم كل ذلك ندخل الانتخابات!

وفي كل مرة نصرخ ويرتفع العويل بأننا سُرِقنا في وََضَحِ النَّهار, وعلى مرأى ومسمع من المراقبين الدوليين والجميع, وزورت الانتخابات, ونقدِّم العرائض - البيضاء والصفراء - لتأكيد هذا التزوير والتلاعب؛ ولكن لابد من التسليم بالنتيجة وقبول الهزيمة صاغرين.

وننتظر للانتخابات القادمة لعل وعسى!

وهكذا تمر السنون والأيام ... ويشتد ساعد الكفر والطغيان ... وتغرق البلاد في الديون وسندات الائتمان ... وتربى أجيالٌ وأجيالٌ على الكفر والفسوق والعصيان ...

لقد جربنا في العقود الماضية الحلول السلمية التفاوضية؛ فهل أغنت عنّا شيئًا أو أعادت لنا حقاَ؟!

فعلى المستوى الداخلى؛ استجبنا لدعوات الحكومات في الانخراط في العمل السياسي والالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية، وكونَّا الأحزاب السياسية وخضنا الانتخابات تلو الأخرى، فهل حققنا شيئًا لحساب شعوبنا؟

لقد انتفشت كل الملل والنحل الباطلة والخارجة عن الإسلام وسرت في جسد الأمة الإسلامية كما يسري النار في الهشيم, أو السرطان في الدَّم, وزادت الطرق الصوفية والضآلة حتى صار أغلب المتديِّنين يتبعونها؛ بينما انكمشت نسبة المسلمين صحيحي الاعتقاد حتى صاروا أقلية مهمشة لا قيمة لها ولا وزن.

أما على المستوى الخارجي، فنتساءل؛ بماذا تفيد أغصان الزيتون التي في العالم كله لو قطعناها ورفعناها شعارًا للمحبة والسلام في عالم ملئ بالذئاب واللئام؟

وهل أغنت عنا الأمم المتحدة - قمة الديمقراطية وحاملة لواء الشرعية الدولية - ومجلس أمنها ومنظمات حقوق الإنسان شيئًا؟!

إن استخدام الولايات المتحدة لحق النقض"الفيتو"في مجلس الأمن 39 مرة خلال أقل من عقدين من الزمان لمنع صدور قرارات من المجلس لصالح العرب، منها 28 لحماية الكيان الصهيوني من الإدانة أو إيقاف حرب الإبادة التي يشنها السفاح شارون ومن سبقه ضد الشعب الفلسطيني, منها مرتان خلال أيام قلائل من شهر أكتوبر عام 2003, لمنع الكيان الصهيوني من اتخاذ أي إجراء ضد رئيس السُّلَطَة الفلسطينية, أو إيقاف بناء الجدار العازل بينهم وبين الفلسطينيين, ثم كان استخدام الفيتو في مارس عام 2004 لمنع صدور قرار من المجلس لإدانة جريمة اغتيال الشيخ الشهيد أحمد ياسين رحمه الله وهي العملية التي أثارت الاشمئزاز في نفس كل من كان في قلبه مثقال ذرة من الإنسانية أو الإيمان, مما أعطى أوضح دليل على أن هذه الدولة الكافرة لا تقيم للعالم وزنًا, ولا تأبه بالرأي العام العالمي ولا الإجماع الدولي المزعوم.

إن محاولة شغل الناس بقضية الديمقراطية والأمة تعاني أزمات داخلية طاحنة: اقتصاديًا وروحيًا وأخلاقيًا وعلميًا, وأخطارًا خارجيةً محدقة؛ كمن يكون لديه مريض في غرفة العناية المركَّزة قد أعلن الأطباء وفاته - معمليًا أو باصطلاح الأطباء اكلينيكيًا - أي أن قلب المريض توقف عن النبض وضخ الدم لبقية الأعضاء, فتغير لذلك لون القدمين والرجلين واليدين, وبردت حرارتها, فجاء من يطالب الأطباء ببذل أقصى جهودهم في تدفئة الرجلين ورفع حرارتها, وتدليكها حتى تعود للونها الطبيعي؛ بدلًا من القيام بتدليك القلب وإجراء التنفس الصناعي والتدابير الطبية اللازمة لإنقاذ حياة المريض الذي سيموت"فعليًا"وليس"معمليًا"فقط إنْ استجابوا له.

والآن نستعرض في عجالة نتيجة التطبيق الديمقراطي في بعض الدول الإسلامية الكبيرة التي تمثل ثقلًا من حيث عدد السكان, أو المكانة وسط دول المسلمين. ونقصد بها مصر والجزائر واليمن وبنجلاديش وتركيا وباكستان - كمثال - لتبين لنا صدق ما ذكرناه في الباب السابق"منطقيًا وعقليًا": من عدم جدوى الأخذ بالنظام الديمقراطي في تغيير واقع المجتمعات الإسلامية, وأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت