فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 104

حول تجربتها الرائدة احتاجت إلى ثلاثة أجيال حتى تتخلص -نسبيًا- من هيمنة العسكر على مقاليد الأمور.

(فقد استغرقت النقلة من حكم عسكري مباشر يفرض العلمانية إلى حكم"ديمقراطي"يفسح المجال أمام التعددية الحزبية شرطَ التزامها بالمرجعية العلمانية جيلًا كاملًا، ثم كان على القوات العسكرية التي تحوّلت إلى"حارس للعلمانية التركية"أن تقوم بثلاثة انقلابات عسكرية على الديمقراطية، لتحمي العلمانية من أحزابها وممّا تغلغل فيها من فساد مكشوف، أو أوصلت إليه من إخفاق سياسي واقتصادي، أو للحيلولة دون عودة ظهور التيار الإسلامي سياسيًّا وإن بقي الالتزام بالمرجعية العلمانية مفروضًا عليه. ولم يعد منطقيًّا بعد هذه التجربة الطويلة لتسلّح العلمانية عسكريًّا، أن يُطرح السؤال عن حقيقة تعبير التوجّه العلماني عن الإرادة الشعبية وفق معايير الديمقراطية. وهذا ما يستتبع سؤالًا آخر: متى يتحقق الرجوع إلى الإرادة الشعبية في اختيار المرجعية في الحياة والحكم، وليس في اختيار الأحزاب والسلطة وهياكل الحكم فحسب؟ ..

وخلال الجيل الثالث من التجربة التركية، التي يرمز إليها اسم أربكان ثم اسم أردوغان، لم تدع الدولة التركية تحت السيطرة العلمانية العسكرية سبيلًا من السبل إلا وسلكته للحيلولة دون أن يصعد التوجّه الإسلامي عبر صناديق الانتخاب -مع الالتزام المفروض بالمرجعية العلمانية- إلى سدّة الغالبية، وشملت تلك السبل، الحظر، والاعتقال، والأحكام القضائية الجائرة، والحرمان من ممارسة العمل السياسي، والضغوط لإسقاط الحكومة، والضغوط على بقايا الأحزاب العلمانية الخالصة لتتوحّد في جبهة واحدة) [1] اهـ.

فهل الشعوب العربية والإسلامية بوضعها الراهن وأزماتها القاتلة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا على استعداد للمرور بتلك المراحل، والانتظار لثلاثة أجيال أو أربعة لتغيير الحال؟!

أما الحكومة فالهدف الأساسي منها هو إعطاء المصداقية للحاكم والشرعية لتصرفاته، والإيهام بأنه لا ينفرد بتصريف شئون الدولة، بالإضافة إلى الاضطلاع بالشئون المالية والإدارية والسيطرة على الوضع الأمني في البلد.

(1) من مقالة لنبيل شبيب -كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا- نقلًا عن موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة - تجربة العلمانية والإسلام في تركيا- ج 12 ص 365.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت