فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 104

(كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا!! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا) [1] .

والذي يظن أنه خارج هذه القاعدة أخرق؛ فالمجتمع يضم أهله وأقاربه وعشيرته وأصهاره وأصدقاءه، فإن نجا هو بنفسه وازدادت حساباته، وانتفشت ثروته، على حساب كل هؤلاء وبقية إخوانه من المسلمين، فإنما ذلك إلى حين. وعندما يتمكن الباطل من رقاب المسلمين فلن يدع أحدًا إلا أذله واستولى على ممتلكاته.

والفقر الذي يضرب بأطنابه جعل الأمة كالمريض بفقر الدّم (الأنيميا) ، وكل من يسرق أو يختلس أو ينهب ثروات الأمة وممتلكاتها كالذي يسحب من دم ذلك المريض ليعجل بقتله، والذي يساعده أو ينتخبه أو يرشحه شريك له في الجريمة ووزرهما سواء.

والمرابي الذي يأتيه الفقير ليستدين منه ما يسد به رمقه ويقيت عياله، أو الفلاح المعدم الذي يريد شراء البذور والسماد لزراعة"شبر الأرض"الذي يملكه أو يستأجره، فلا يرحمه ويأخذ منه الفائدة -التي يسمونها فائدة وهي خسران مبين-، فيزيده فقرًا على فقره وعوزًا على عوزه، فهو كالبدين الصحيح الذي يسحب دم النحيف الهزيل ويحقنه لنفسه، فما أخسّها من جريمة، وما أبشعه من منظر، خاصةً إذا قورن بتلك القمة التي يعتليها المؤمن حيث يقول - صلى الله عليه وسلم:"من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله"، وقال - صلى الله عليه وسلم:"حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط النّاس وكان موسرًا، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال الله عزّ وجلّ: (نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه) " [2] .

ولذلك فإن عاقبة ذلك المرابي أن يسبح في الدّم الذي يمتصه من ضحاياه، فقد ورد في الحديث من رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (حتى أتينا على نَهَرٍ من دمٍ فيه رجلٌ قائمٌ، وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل

(1) رواه البخاري.

(2) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت