فُرُطًا [1] ، وقال سبحانه: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [2] ، وهذا مما يبين أن بقاء نصاعة الدعوة، وتجلية أهدافها بأكمل الوجوه، والحذر من أن يشينها شيء مما يدنس صفاءها كلُّ ذلك من أعظم مقاصد الدين التي يجب الحفاظ عليها، وعدم الاغترار بمصالح موهومة خادعة للعقل وإن كانت في مبدأ أمرها تبدو برَّاقة مشرقةً، كما هو حال دين الديمقراطية الجديد الذي لا ينظر فيه معتنقوه من الإسلاميين إلا لما يسبيهم عند أول وهلةٍ من مصالح تعدّ منغمرة في بحر مفاسدها الآسن لا تُعَد مفسدة تمييز أشراف العرب في مجالس الدعوة معها شيئًا يُذكر وهي دون مفاسد الديمقراطية بمراحل، ومع ذلك فيأبى القوم إلا أن يقنعونا بأن خيرها أكبر من شرها فما لكم كيف تحكمون؟!) اهـ.
وعلى كل حالٍ فهذه العروض كانت لمجرد أن يتوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب آلهتهم، والدعوة لترك عبادتها والتقرب إليها، وهو أمر قد يبدو يسيرًا في صورته، ولكنه خطير في مغزاه ومعناه ونتائجه، لأن المطلوب هو القبول بوجود هذه الآلهة والاعتراف الضمني بشرعية عبادتها، وإعطاؤها حق الحياة لتشرك مع الله، لا تعبد بذاتها، فقد كانوا أعقل وأشرف من كفار زماننا في هذا الأمر.
فقد كانوا يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق المتصرف في ملكه، أي توحيد الربوبية، حيث يقول الله عزّ وجلّ حكايةً عنهم:"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ" [3] .
والخلاصة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثبت على المبدأ الذي اختاره الله له، وارتقى المركب الصعب، فلم يجارِ الكفار والمشركين، ولم يداهن في ذات الله، ولا أطاع المكذّبين ولا المنافقين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؛ واختار ذات الشوكة فكانت الهجرة والجهاد.
(1) الكهف: 28.
(2) الأنعام: 52.
(3) الزمر: 38.