ولكن هل كان ذلك سيليّن القلوب ويعبّدها لله وينزع منها ما أشربته من حب الآلهة والأصنام التي كانت تعبدها من دون الله، أم كان سيسخر الشخوص دون النفوس بحيث تحاول التخلص من السلطان السياسي وزعامة قريش على بقية القبائل وتبعات الدين في أول فرصة تتاح لها، مثل الردة التي حدثت لكثير من القبائل بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، رغم أن الله سبحانه وتعالى نصر عبده وأعز جنده ودخل الناس في دين الله أفواجًا؛ فما بالك لو سلك الطريق الذي عرضه عليه زعماء قريش مما يُشعر عامة الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعدو أن يكون طالب زعامةٍ ورئاسةٍ وليس داعية هدايةٍ، وهو اختلال عظيم يحصل في أهم المفاهيم التي يجب أن تكون واضحة ناصعة في أذهان الناس، ليُقبلوا على الحق ويقبلوه بناء على قناعةٍ تامة وإيمان خالصٍ، فكيف سيكون الحال لو أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك أو داهن في ذات الله حتى يرضي القبائل على حساب العقيدة والتوحيد الخالص، وحاشاه أن يفعل ذلك - صلى الله عليه وسلم -؟!
يقول الشيخ أبو يحيى الليبي -حفظه الله- في معرض تعليقاته على الكتاب: (إن الله عز وجل لم ينه نبيه صلى الله عليه وسلم من دعوة الكبراء والزعماء والأشراف، ولم تُجعل دعوته خاصة بالفقراء والضعفاء ومقتصرةً عليهم -وإن كان أكثر أتباع الأنبياء منهم-، فقد أرسل صلى الله عليه وسلم للناس كافةً، ولكن نهاه ربه عز وجل عن تخصيص أولئك السادةِ بمجالس الدعوة وانفراده بهم فيها، ولم يكن ميلُ النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا في أول الأمر طلبًا لحظٍّ شخصيٍّ -فحاشاه ثم حاشاه- وإنما هو حرص على إسلام هؤلاء الزعماء وإنقاذ لهم من النار، فمقصد الدعوة الإسلامية قائم على أصله ولم يتغير شيئًا، ولكن لما كان هذا التمييز -مع ما يظهر فيه من مصلحةِ إسلامهم وربما إسلام قومهم من بعدهم- يؤدي إلى حرمان الضعفاء من مجالس العلم والذكر، ولأنه يُنمي عن روح الترفع في نفوس أولئك السادة ويبقي الشعور بتميزهم عن"العبيد والسوقة والعامة"مما يعني أن دخولهم في الإسلام لم يحصل عن تجرد تام وانقياد خالص-لما كانت كل هذه المفاسد نهاه ربه عز وجل عن سلوك هذا المسلك، وأنزل في ذلك آيات عدة تبين هذا الأمر أعظم بيان كقوله سبحانه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ