(3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) "، وقال سبحانه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [1] "
وحذّره من اختيار الطريق الأقصر والأسهل -على الأقل فيما يبدو أول الأمر- وهو المهادنة وتقديم بعض التنازلات التي قد تبدو شكلية، طمعًا في إيمان زعماء قريش ومن ثمّ تتبعهم بقية القبائل بحكم قيادتها الروحية ومكانتها بينهم.
وهو الأمر الذي عرضوه على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعن ابن عباس رضي الله عنهما:"أن أشراف أهل مكة قالوا له: يا محمد! إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ولقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فإن بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك! فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا. وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا سودناك علينا. وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك به رئي تراه قد غلب عليك -وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي- فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أدري ما تقولون؟ ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولًا وأنزل عليّ كتابًا وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة وإن تردوا علي أصبر على أمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" [2] .
هذه العروض المغرية من زعماء قريش للرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يملِّكوه عليهم، ويسوِّدُوه فلا يقطعون أمرًا دونه، ويكون أكثرهم مالًا ونساءً، لو أضفيت إلى أنه كان من أكرمهم نسبًا وعشيرةً، وأقواهم جسمًا وشوكةً، كان ذلك يضمن له القوة شبه المطلقة، ويستطيع خلال فترة يسيرة أن يؤلف القلوب بحسن بيانه وسمته، ويجمع القبائل ويشتريها بالمال، ومن ثمّ القيام بانقلاب عسكري، يفرض فيه نظامه بالقوة.
(1) الحجر: 94.
(2) سيرة ابن إسحاق.