السنة والجماعة كما سيأتي بيانه.
قال ابن قدامة رحمه الله في شرح قول الخرقي (ويغزى مع كل بر وفاجر) قال: يعني مع كل إمام، قال أبو عبد الله وهو إمام اهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله وسئل عن الرجل يقول: أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس إنما يوفر الفيء عليهم؟ فقال: سبحان الله هؤلاء قوم سوء، هؤلاء القعدة مثبطون جهال، فيقال: أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم من كان يغزو؟ أليس كان قد ذهب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم؟ قال ابن قدامة: وقد روى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا) [1] ، وبإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، والإيمان بالأقدار) [2] ، ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وظهور كلمة الكفر وفيه فساد عظيم، قال الله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) . اه [3]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها ... إلى أن قال رحمه الله: فيقدم في إمارة الحرب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا، كما سُئِل الإمام أحمد عن الرجلين يكونا أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزَى؟، فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) ، وروى (بأقوام لا خلاق لهم) [4] ، وإن لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده. اه [5]
وقد قال ابن تيمية أيضا في كلام جامع عن هذه المسألة وذلك في كلامه عن قتال التتار: فإن اتفق من يقاتلهم
(1) رواه أبو داود وأبو يعلى من حديث أبي هريرة، قال ابن حجر: لا بأس بإسناده إلا أنه من رواية مكحول عن أبي هريرة ولم يسمع منه.
(2) رواه أبو داود وسكت عليه هو والمنذري، وفي إسناده يزيد بن أبي نشبة وهو مجهول، وأخرجه أيضا سعيد بن منصور وفيه ضعف وله شواهد) راجع نيل الأوطار للشوكاني ب: الجهاد فرض كفاية وأنه شرع مع البر والفاجر).
(3) المغني والشرح الكبير، والآية من سورة البقرة:251.
(4) رواه البخاري والنسائي وابن حبان عن أنس رضي الله عنه، ورواه أحمد والطبراني عن أبي بكرة رضي الله عنه.
(5) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج 28/ 254 ـ 255.