فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 86

ثم الجواب عن هذا السؤال من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول هو أنه: يجب أن يُعلم أن إجماع العلماء قد انعقد على أنه لا يجوز تولية الفاسق أو الفاجر من حيث الأصل ويجب على من بيده أمر التولية أن لا يولي إلا العدل الصالح لقوله تعالى (لا ينا عهدي الظالمين) وقوله تعالى (إن خير من استأجرت القوي الأمين) [1] (، ولذلك فقد قال العلماء: إن من أظهر بدعة أو فجورا أو فسقا لا يرتب إماما للمسلمين، وأن الإمارة لا تنعقد لفاسق ولا فاجر من حيث الأصل، فإنهم يستحقون التعزير حتى يتوبوا، فإن أمكن هجرهم حتى يتوبوا كان حسنا، وقد تقدم بيان هذا، والأصل في هذا قول الله تعالى(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) [2] (، فلا ينبغي أن يرتب إماما أو أميرا من به ظلم وفجور، فالواجب على المسلم نصح المسئول عن هذا الأمير حتى يستبدله بأمير عدل صالح.

الوجه الثاني: فإن لم يمكن هذا وتم تأمير الفاجر أو الفاسق أو المبتدع فعلا، فإن وجد المسلم المجاهد مندوحة في ترك الجهاد مع هذا الأمير وأن يلتحق بمن هو خير منه فيجب عليه عدم العمل مع الفاجر، إذ أنه يحقق بذلك مصلحتين: الأولى: أداء الجهاد تحت إمرة صالحة وليست فاجرة، والثانية: تأديب هذا الأمير الفاجر بهجره والابتعاد عنه، فإنه إن وجد أن الكل يهجرونه لفجوره قد ينزجر بهذا، وهذا كإمام الصلاة الفاسق فإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلوا خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر المتلبس به حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه كان ترك الصلاة خلفه فيه مصلحة شرعية بشرط أن لا يفوت المأموم جمعة ولا جماعة، فهكذا في الجهاد. [3] (

فإن لم يجد المسلم غيره لسبب من الأسباب وترتب على ترك الجهاد معه ترك الجهاد جملة فها هنا فرعان في الجواب:

الفرع الأول: إن كان فجوره في نفسه فقط كمن يشرب الخمر أو يغل من الغنيمة أو به فسق أو بدعة غير متعدية إلى إبطال مقصود الجهاد، فهذا يُغزى معه وخلفه ولا يُعصى أمره الذي ليس بمعصية طالما أن فجوره هذا لا يخل بمصلحة الجهاد، هذا مع الاستمرار في نصحه ووعظه وتعليمه بما يناسبه والدعاء له بأن يصلح الله حاله، وقد سبق بيان الأدلة على هذا الأصل بما يغني عن إعادتها، وهذا الحكم الذي ذكرته هنا أصل مقرر عند أهل

(1) سورة القصص، الآية: 26.

(2) سورة البقرة، الآية: 124.

(3) شرح العقيدة الطحاوية،/ 423.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت