قال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري بعد ما ذكر الخلاف في إعطاء المؤلفة قلوبهم: والصواب من القول في ذلك عندي أن الله جعل الصدقة في معنيين: أحدهما: سد خلة المسلمين، والآخر: معونة الإسلام وتقويته. فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه فإنه يعطاه الغني والفقير لأنه لا يعطاه من يعطاه للحاجة منه إليه وإنما يعطاه معونة للدين وذلك كما يعطى الذي يعطاه في الجهاد في سبيل الله فإنه يعطى ذلك غنيًّا كان أو فقيرًا للغزو لا لسد خلته وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء استصلاحا بإعطائهموه أمر الإسلام وطلب تقويته وتأييده وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من أعطى من المؤلفة قلوبهم بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وعز أهله فلا حجة لمحتج بأن يقول: لا يتألف اليوم على الإسلام أحد لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من أعطى منهم في الحال التي وصفت. اهـ [1] .
وبناء على ما تقدم يترجح القول بأن سهم المؤلفة قلوبهم باق لأن الإمام ربما احتاج أن يتألف على الإسلام في بعض الأوقات ومرد ذلك إلى رأي ولي الأمر العادل وتقدير أهل الرأي بما فيه مصلحة الإسلام وأهله [2] . ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء هم الذين يتولون ذلك فالتأليف من شأن رئيس الدولة أو من ينيبه عنه أو أهل الحل والعقد في الأمانة فهؤلاء هم الذين يستطيعون إثبات الحاجة إلى تأليف القلوب أو نفيها وتحديد صفات من يؤلفون ومدى ما يبذل له وفق مصلحة الإسلام وحاجة المسلمين [3] .
أين يصرف سهم المؤلفة قلوبهم في عصرنا؟
وإذا كان حكم المؤلفة قلوبهم وإعطائهم من الزكاة باقيا محكما لم يلحقه نسخ
(1) تفسير الطبري ج14 ص 316.
(2) انظر تفسير آيات الأحكام للشيخ مناع ج3 ص 366.
(3) انظر فقه الزكاة ج4 ص 594.