إلا بتفويض الله سبحانه وتعالى الأمر إليه لا أنه بإبلاغه ذلك الحكم؛ لتخصيص هذا التحريم بنسبته إليه، وإلا فكل محرم فهو بتحريم الله سبحانه وتعالى، إما بالتبليغ، وإما
بالتفويض [1] .
واستدل له أيضا بما في مسلم (فرض عليكم الحج، فحجوا، فقال رجل: أكل عام؟ فقال: لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم) [2] ... ).
والصواب أنه - صلى الله عليه وسلم - ليس مُشرِّعًا بل هو مبلغ ومطبق وناقل ومبيِّن للتشريع، وأنه كان يجتهد [3] فإن اخطأ نزل الوحي بتصويبه [4] ، كما في أسارى بدر (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) [الأنفال: 67] وكما عوتب في ابن أم مكتوم وتحريمه - صلى الله عليه وسلم - العسل ومارية القبطية على نفسه، ولما رجع عن قوله في مسألة التأبير، ونحو ذلك [5] .
امتثالًا أي يفعله على وجه الطاعة والقربة، فمن نوى التبرد فغسل أعضاء الوضوء لا يعد متوضئا وهكذا.
وأما قولنا (ويستحق) فهو أولى من قول: (ويعاقب تاركه) ؛ لأنه من الجائز أن الله
(1) قال المرداوي في"التحبير" (8/ 3998) : (رد: محتمل وللمفسرين قولان، هل باجتهاد، أو بإذن الله تعالى. قال البرماوي:"قلت: وعلى كل حال فالمحرم هو الله تعالى، فالاحتمال قائم ولا دليل فيه لذلك") .
(2) قال ابن مفلح في"أصوله" (4/ 1523) : (رد: يجوز أن الله خيره في ذلك بعينه. ويجوز أن قوله- عليه السلام- بوحي) .
(3) ذكر الشيخ عبد الجليل بو النصر في رسالته"اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -"أمثلة كثيرة وشواهد تدل على ما وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - من اجتهاد سواء بالقول أم بالفعل أم بإقراره الصحابة أم بعدم إقرارهم، وذلك في شتى الأمور الدينية والدنيوية.
(4) قال ابن مفلح في"أصوله" (4/ 1525) : (لا يقر عليه السلام على خطأ في اجتهاده إجماعا) .
(5) انظر: التمهيد (4/ 373) ، أصول ابن مفلح (4/ 1520) ، التحبير (8/ 3995) ، جمع الجوامع (2/ 391 - البناني) ، البحر المحيط (4/ 354) ، الإبهاج (3/ 196) ، تيسير التحرير (4/ 236) ، رفع الحاجب (4/ 567) روح المعاني (18/ 224) ، أفعال الرسول للأشقر (1/ 126) .