فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 78

غير مشهور للإمام أحمد؛ ذكره ابن القيم في (بدائع الفوائد) وتعقّب به عَلَى ابن عقيل -رحمه الله- شيخ الحنابلة في عصره؛ تعقبّه عندما لم يذكر هذا القول للإمام أحمد، وذكر أنّه قول من أقواله. [1]

فأجاز الأحناف الربا في ديار الكفر؛ والصحيح أنّ الأحكام التي يُكلَّف بها المسلم لا تتعلّق بالديار، ولا تتغيَّر الأحكام بتغيّر الديار؛ الربا حرامٌ في دار الإسلام وحرامٌ في دار الكفر، والكذب حرامٌ في دار الإسلام وحرامٌ في دار الكفر، وهكذا.

وهناك ظروف -قد تحدث في ديار الإسلام وقد تحدث في ديار الكفر- وتجيز بعض الأحكام الشرعية، وتتغيّر بحسب الحاجة وبحسب الضرورة وبحسب المصلحة، كقول شيخ الإسلام -رحمه الله- أنّ الهدي الظاهر لا يُؤمَر به المرء على الوجوب والإلزام إلّا في دار الإسلام والهجرة والعزّة، هذا قول لشيخ الإسلام قاله في (اقتضاء الصراط المستقيم) [2] ، ليس بالنظر إلى الدار وإنّما -في الحقيقة- في النظر إلى المصلحة، يعني يمكن للمسلم أن يغيّر شكله في دار الإسلام إذا خاف الظلم، فإذا أجاز بعض العلماء للمَدين ترك صلاة الجمعة والجماعة إذا خاف الحبس؛ فهذا حكمٌ ليس خاص بالديار ولكنّه للمصلحة، وكذلك قضية الهدي الظاهر؛ لأنّ الهدي الظاهر يتغير حكمه حسب المصلحة؛ أي المصلحة الشرعية لا مصلحة الأهواء وتكثير الأموال، كما يظنّ كثير من النّاس أن مجرد تكثير المال وزيادته من المصالح الشرعية، لا بد أن تكون المصالح التي نتكلم عنها باعتبار الشرع لا باعتبار الهوى.

والذين ينسبون للإمام الشاطبي -عليه رحمه الله- القول بالمصالح المُرسَلة على إطلاقها؛ كما هو قول أهل الرأي وبعض العلمانيين في هذا العصر الذين أخذوا الكلام على إطلاقه =فهؤلاء هم جهلاء، لأنّ المصلحة التي أقام لها الشارع اعتبارًا هي المصلحة التي لها تُعلّق بدين الرجل أو تعلق بمصلحة عظيمة لا بالأهواء ولا والشهوات ولا بالتحسينيَّات في مراتب البشر وأعمالهم.

(1) يقول ابن القيم في (بدائع الفوائد) 4\ 214:"قال في المحرر: (الربا محرم إلا بين مسلم وحربي لا أمان بينهما) ولم يذكر هذه المسألة في المغني وذكر تحريم الربا مطلقا، وقال أبو حنيفة: (لا يحرم الربا في دار الحرب) . قال الشيخ [أي شيخ الإسلام ابن تيمية] : قلت رأيت في تحريم الربا بين المسلم والحربي الذي لا أمان بينهما روايتين منصوصتين."اهـ

(2) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) 1\ 471:"لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب؛ لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة."اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت