قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «تَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَتُقِيمُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ إِنْ كَانَ لَكَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، حَفِظْتُ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «وَأُخْرَى لَا تَؤَمَرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ» قُلْتُ: هَلْ تَكُونُ الْإِمْرَةُ إِلَّا فِيكُمْ أَهْلَ بَدْرٍ؟ قَالَ: «يُوشِكَ أَنْ تَفْشُوَ حَتَّى تَبْلُغَكَ وَمَنْ هُوَ دُونَكَ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا بَعَثَ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ، فَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ فَهَدَاهُ اللهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَكْرَهَهُ السَّيْفُ، فَهُوَ عَوَّادُ اللهِ وَجِيرَانُ اللهِ فِي خِفَارَةِ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ أَمِيرًا، فَتَظَالَمَ النَّاسُ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يَأْخُذْ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، انْتَقَمَ اللهُ مِنْهُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَتُؤْخَذُ شَاةُ جَارِهِ فَيَظَلُّ نَاتِئَ عَضَلَتِهِ غَضَبًا لِجَارِهِ، وَاللهُ مِنْ وَرَاءِ جَارِهِ» قَالَ رَافِعٌ: فَمَكَثْتُ سَنَةً، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتُخْلِفَ، فَرَكِبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: أَنَا رَافِعُ، كُنْتُ لَقِيتُكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «عَرَفْتُ» ،قُلْتُ: كُنْتَ نَهَيْتَنِي عَنِ الْإِمارةِ، ثُمَّ رَكِبْتَ بِأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «نَعَمْ، فَمَنْ لَمْ يَقُمْ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللهِ فَعَلَيْهِ بَهْلَةُ اللهِ» يَعْنِي لَعْنَةَ اللهِ" [1] ."
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:"ومن له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالها وعدلها وسعتها ومصلحتها وأن الخلق لا صلاح لهم بدونها البتة علم أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها وأن من أحاط علما بمقاصدها ووضعها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة."
فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر وهي من الشريعة علمها من علمها وخفيت على من خفيت عنه" [2] "
وقال أيضا:"فَلَا يُقَالُ: إنَّ السِّيَاسَةَ الْعَادِلَةَ مُخَالِفَةٌ لِمَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ، بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ لِمَا جَاءَ بِهِ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَنَحْنُ نُسَمِّيهَا سِيَاسَةً تَبَعًا لِمُصْطَلَحِهِمْ، وَإِنَّمَا هِيَ عَدْلُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ." [3]
وقال أيضا:"وَتَقْسِيمُ بَعْضِهِمْ طُرُقَ الْحُكْمِ إلَى شَرِيعَةٍ وَسِيَاسَةٍ كَتَقْسِيمِ غَيْرِهِمْ الدِّينَ إلَى شَرِيعَةٍ وَحَقِيقَةٍ، وَكَتَقْسِيمِ آخَرِينَ الدِّينَ إلَى عَقْلٍ وَنَقْلٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَقْسِيمٌ بَاطِلٌ، بَلْ السِّيَاسَةُ"
(1) - المعجم الكبير للطبراني (5/ 21) (4467) صحيح
(2) - بدائع الفوائد (3/ 117)
(3) - الطرق الحكمية (ص:14)