فهرس الكتاب

الصفحة 861 من 1902

حَبَّةُ خَرْدَلٍ، لَا يُقَالُ هَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ الْكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيمَانِ، فَإِنَّا نَقُولُ: الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ، هَلْ هُوَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ أَمْ لَا؟ بَلِ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ نَفْسَ الْإِيمَانِ وَجَوْهَرَهُ لَا يَتَجَزَّأُ، أَوْ إِنَّمَا كَمَالُهُ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ وُجُودُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيْثُ مَدَحَ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ عَطَفَ الْأَعْمَالَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة:277] وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَطْفِ التَّغَايُرُ، وَأَمَّا كَوْنُ الْأَعْمَالِ جُزْءَ الْإِيمَانِ حَقِيقَةً، فَإِنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَأَمَّا الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَإِمَّا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى تَعَدُّدِ الْمُؤْمِنِ بِهِ، وَهَذَا بَحْثٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ مَحَلُّهُ كُتُبُ الْعَقَائِدِ وَمَبَاحِثُ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمَرَامِ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُنْكَرُ حَرَامًا وَجَبَ الزَّجْرُ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ مَكْرُوهًا نُدِبَ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ أَيْضًا تَبَعٌ لِمَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَإِنْ وَجَبَ فَوَاجِبٌ، وَإِنْ نُدِبَ فَمَنْدُوبٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ شَامِلٌ لَهُ، إِذِ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، وَضِدُّ الْمَنْهِيِّ إِمَّا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ وَالْكُلُّ مَعْرُوفٌ، وَشَرْطُهُمَا أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى الْفِتْنَةِ، كَمَا عُلِمَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَنْ يُظَنَّ قَبُولُهُ، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ فَيُسْتَحْسَنُ إِظْهَارُ شِعَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَفْظُ مَنْ لِعُمُومِهِ شَمِلَ كُلَّ أَحَدٍ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، عَبْدًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا إِذَا كَانَ، وَإِنْ كَانَ يُسْتَقْبَحُ ذَلِكَ فِي الْفَاسِقِ قَالَ تَعَالَى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة:44] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف:2] وَأَنْشَدَ:

وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى ... طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهْوَ مَرِيضُ

قَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلَهُ:"فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ"هُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ، وَقَدْ تَطَابَقَ عَلَى وُجُوبِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَهِيَ أَيْضًا مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدَّيْنُ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا بَعْضُ الرَّوَافِضِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي: لَا نَكْتَرِثُ بِخِلَافِهِمْ، وَوُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَفَعَلَهُ وَلَمْ يَمْتَثِلِ الْمُخَاطَبُ، فَلَا عَتْبَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَمَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَتَرَكَهُ بِلَا عُذْرٍ أَثِمَ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ كَمَا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ إِلَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت