تَعَالَى: {إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا} أَيْ: فِي الشَّدَائِدِ وَالْمَكَارِهِ، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أَيْ: فِي الرَّخَاءِ وَالْعَافِيَةِ، {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} أَيْ: بِمَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الضَّرَّاءِ، {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} بِمَا أَسْلَفُوهُ فِي زَمَنِ الرَّخَاءِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ الْعَامِرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ هَمٌّ، وَلَا حَزَنٌ، وَلَا وَصَبٌ، وَلَا نَصَبٌ، وَلَا أَذًى إِلَّا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ". [1]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ شَيْئًا، إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ» . [2]
وَهَكَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سُورَةُ الْعَصْرِ] ،وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلا الْمُصَلِّينَ} الآية [المعارج:19 - 22] . [3]
وخلاف الصبر عند الضرّاء، والشكر على السرّاء، أن يظهرالعبد الجزع وعدم الصبر عند المصيبة كالنياحة على الميت، وشقّ الجيوب، ولطم الخدود، و أن يقابل نعمة الله بمعصيته كالفخر، والبطر، وإظهار المعازف أو غيرها من المعاصي، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى النَّخْلِ وَمَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَانْتَهَى إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَوَضَعَ الصَّبِيَّ فِي حِجْرِهِ، فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنْهَانَا عَنِ الْبُكَاءِ؟ قَالَ: «لَمْ أَنْهَ عَنِ الْبُكَاءِ، إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ فَاجِرَيْنِ، صَوْتِ مِزْمَارٍ عِنْدَ نِعْمَةٍ، مِزْمَارِ شَيْطَانٍ وَلَعِبٍ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، شَقِّ الْجُيُوبِ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ، وَإِنَّمَا هَذِهِ رَحْمَةٌ» [4] .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:" «صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ» " [5]
فنعمة النصر على الأعداء، وتمكين المجاهدين في الأرض، من أعظم النعم التي تستوجب الشكرمن المجاهدين، بالاستقامة على طاعة الله، وتقواه في جميع سياسات الدولة الداخلية والخارجية، وقد
(1) - شرح مشكل الآثار (5/ 474) (2225) صحيح لغيره
(2) - صحيح ابن حبان - مخرجا (2/ 507) (728) صحيح
(3) - تفسير ابن كثير ت سلامة (4/ 309)
(4) - مسند أبي داود الطيالسي (3/ 263) (1788) حسن
(5) - مسند البزار = البحر الزخار (14/ 62) (7513) صحيح لغيره