وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالْمَطَرُ [ص:492] وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟» فَأَشَارَ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. [1]
وفي رواية لأحمد عنه أيضا عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَأَى فِي الْقَوْمِ رِقَّةً، فَقَالَ:"إِنِّي لَأَهُمُّ أَنْ أَجْعَلَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، ثُمَّ أَخْرُجُ فَلَا أَقْدِرُ عَلَى إِنْسَانٍ، يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا أَحْرَقْتُهُ عَلَيْهِ"فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ نَخْلًا، وَشَجَرًا، وَلَا أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ كُلَّ سَاعَةٍ، أَيَسَعُنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ قَالَ:"أَتَسْمَعُ الْإِقَامَةَ؟"قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:"فَأْتِهَا" [2]
وعَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مَنْ سُنَنَ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ
(1) - صحيح ابن حبان - مخرجا (4/ 491) (1612) صحيح
قال الطحاوي:"بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الضَّرِيرِ فِي بَصَرِهِ، هَلْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجَمَاعَاتِ، كَمَا عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ لَا ضَرَرَ بِبَصَرِهِ، أَمْ لَا؟"
وَلِمَا قَامَ بِهَذِهِ الْآثَارِ، أَوْ بِمَا قَامَ مِنْهَا، مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ عَلَى الضَّرِيرِ فِي بَصَرِهِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي بَصَرِهِ، وَكَانَ هَذَا الْبَابُ مِمَّا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِوُجُوبِ حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ عَلَى الضَّرِيرِ كَوُجُوبِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَجَعَلُوهُ كَمَنْ لَا يُعْرَفُ الطَّرِيقَ، فَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلِهِ إِيَّاهُ عَنِ التَّخَلُّفِ عَنْ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ لِذَلِكَ، وَقَدْ عَذَرَهُ آخَرُونَ فِي تَرْكِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ رُوِيَ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ غَيْرَ أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا عَنْهُ هُوَ وُجُوبُ حُضُورِهَا عَلَيْهِ، وَإِلَى ذَلِكَ كَانَ يَذْهَبُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَلَا يَحْكِي فِيهِ خِلَافًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ خَاطَبَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ تَلَا عَلَى النَّاسِ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء:95] {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ} [النساء:95] ،قَبْلَ إِنْزَالِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء:95] ،بِأَنَ قَالَ لَهُ:"لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ"فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ أَعْمَى، وَلَا فَرَضَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَعْمَى وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا يَسْتَطِيعُهُ الْأَعْمَى مِنَ الْعَمَى يَكُونُ فِيهِ كَالصَّحِيحِ الَّذِي لَا عَمَى بِهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَعْمَى فِي حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا، كَانَ فِي وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَيْهِ، إِذَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَوَجَدَ مَا يُبَلِّغُهُ بِهِ مِنْ نَفَقَةٍ، وَمِنْ مُوصِلٍ لَهُ إِلَيْهِ كَغَيْرِ الْأَعْمَى، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ"شرح مشكل الآثار (13/ 80 - 91) "
(2) - مسند أحمد ط الرسالة (24/ 245) (15491) صحيح لغيره