فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 1902

كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا - فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا -،فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ - قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ - فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ الخَضِرُ: بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ"قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا» أخرجه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري [1] ."

وأما الناس فهم ضعفاء في علومهم وإدراكهم، بل هم لا يعلمون حقيقة الأرواح التي في أبدانهم، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85] ،قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"وَقَوْلُهُ: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أَيْ: مِنْ شَأْنِهِ، وَمِمَّا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ دُونَكُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} أَيْ: وَمَا أَطْلَعَكُمْ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا عَلَى الْقَلِيلِ، فَإِنَّهُ لَا يُحِيطَ أَحَدٌ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى."

وَالْمَعْنَى: أَنَّ عِلْمَكُمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وَهَذَا الَّذِي تَسْأَلُونَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الرُّوحِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُطْلِعْكُمْ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُطْلِعْكُمْ إِلَّا عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ عِلْمِهِ تَعَالَى." [2] ."

(1) - صحيح البخاري (1/ 35) (122) وصحيح مسلم (4/ 1847) 170 - (2380)

(نوف البكالي) هو تابعي من أهل دمشق فاضل عالم لا سيما بالإسرائيليات وكان ابن امرأة كعب الأحبار ويل غير ذلك. [فتح] (كذب عدو الله) أي أخبر بما هو خلاف الواقع. ومراد ابن عباس رضي الله عنهما الزجر والتحذير لا المعنى الحقيقي لهذه العبارة. (فعتب) لم يرض منه بذلك وأصل العتب المؤاخذة. (بمجمع البحرين) ملتقى البحرين وفي تسمية البحرين أقوال. (مكتل) وعاء يسع خمسة عشر صاعا. (فانسل) خرج برفق وخفة. (سربا) مسلكا يسلك فيه. (نصبا) تعبا. (مسا) أثرا وفي رواية (شيئا) . (مسجى) مغطى. (وأنى بأرضك السلام) كيف تسلم وأنت في أرض لا يعرف فيها السلام. (نول) أجر. (فعمد) قصد. (الأولى) المسألة الأولى. (زكية) طاهرة لم تذنب. (وهذا أوكد) أي قوله. (ألم أقل لك) لزيادة لك فهذا أوكد في العتاب. (استطعما) طلبا طعاما. (ينقض) يكاد يسقط. (قال الخضر بيده) أشار بها. (من أمرهما) ممن الأعاجيب والغرائب]

(2) - تفسير ابن كثير ت سلامة (5/ 116)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت