تحاكمٌ إلى ما يصدر عنه ويأخذ به من شرع الله لا إلى هواه وظنونه.
ومن تلا ناشئة الخوارج استدلّ بقوله عزّ وجلَّ: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، على كفر من عصى وأذنب وفسق، والحق في التفصيلِ: فمن غيّر حكم المسألةِ، واتّخذ لها حكمًا من هواه أو من شريعةٍ ودستورٍ غير دين الله وشريعتِهِ كفر، ومن التزم حكم الله في المسألةِ ثمّ غلبهُ هوىً من الأهواءِ فخرجَ عن حكم الله الذي التزمه إلى هوىً في المسألة المعيّنة، والقضيّة الواحدة، فليس بكافرٍ، وفاعل المعصيةِ من الباب الثاني لا الأول.
والمُرجئةُ استدلُّوا بعمومات ومجملاتٍ من مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم:"من صلى صلاتنا وذبح ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فذلك المسلم"، ومن نحو قوله:"من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه دخل الجنَّة"، ففهم غلاتُهُم من ذلك أنّ من قال لا إله إلا الله، وآمن بالله لم يخرج من الإسلام بشيءٍ من الأعمال حتّى قال بعض غلاة الجهمية إن من سجد للصنم لا يكفر حتّى يعتقدَ اعتقادًا كفريًّا، وفهموا من قول النبي صلى الله عليه وسلم:"فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"، أنّ كل من يقول لا إله إلا الله معصوم الدم، لا يُحكم بردّته بحال، والحديث في الكافر الأصلي الذي أجمعت الأمة على أن تلفظه بالشهادة دخول في الإسلام، بل الصوابُ أنّ كل ما هو من خصائص الدين يحكم به للكافر الأصلي بالإسلام حتى عد النبي صلى الله عليه وسلم قول من قالوا صبأنا إسلامًا منهم، وليس المراد أنّ من دخل الإسلام لا يخرج منه بشيءٍ من النواقض؛ ففرقٌ بينَ ثبوت الإسلام في الأصلِ، وبقائِهِ مع ورودِ الناقل عنه، وإنّما أُتي كلُّ هؤلاء من الإجمال والحيدة عن التفصيل، ومن نزّل النصوص منازلها، وأجرى الأحكام في مواضعها، لم يرد عليه شيءٌ من هذا.
وليس معنى لزوم التفصيل أن يفرّق بين أفراد كل مسألةٍ، فيرجّح في كلّ مسألة القول الّذي يجمع طرفيها من تحليل وتحريم، وصحة وفسادٍ، ويجعل لكل منها موضعًا، بل من المسائل ما يجري على جميعِ أفرادِها حكمٌ واحدٌ.
وإنّما المراد بالتفصيل اللازم أن يُعطى كلُّ فردٍ من أفراد المسألة حقّه من النظر، وكلُّ دليلٍ في الباب نصيبه من البحثِ، فيُجمعُ بين ما يُتوهّم تعارضه، ويرجّح بين المتعارض، ويُقضى على مجمله بالمبيّن، ولا يُعمّم حكم على اسمٍ يضمّ مناطاتٍ متعدّدةً للأحكام، والواحد من هذه المناطات يقتضي حكمًا غير ما يقتضيه الآخر.
ومن الإجمالِ الّذي في التَّراجعات التي رأينا: الحديث عن قتلِ المسلم وحكمِهِ، دون تفصيلٍ في مواضعَ تُبيحُ دم المسلم، أو تُبيح القتل الذي يُراد به غيره ويصل إليه، والحديث عن حرمة المعاهد وعصمة دمه وماله، دون تفصيلٍ فيما يُسقط حرمةَ المعاهد ويُبيح دمَهُ وينتقضُ به عهده، وكذا الحديث عن قتل النساء والأطفال، وإتلاف الأموال.
والتراجع الحقّ، يكون فيه تفصيلٌ يقضي على الإجمال، وبيانٌ للحقّ ومناطاته ووجوه ترجيحه والرجوع إليه، مما يُبيّن موطن الغلط في القول المرجوع عنه.