كثيرٌ ممن يتراجع عن شيءٍ من أقواله يعزُّ عليه التصريح برجوعه عن قولِه، ويُجمل في كلامه ويُجمجم، والواجب الشرعي على من أعلن قولًا من الباطل الَّذي لا يسوغُ فيه الاجتهاد أن يُعلن تراجعه عنه، ويبرأ من قوله ذلك كما قال تعالى: {إنَّ الَّذين يكتُمُون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنَّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلاَّ الَّذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التوَّاب الرحيم} ، فمن كتم الحقَّ لم يكن له من توبةٍ إلاَّ بيانُه، فكيف بمن قال الباطل؟
وأمَّا من تراجع عن قولٍ اجتهاديٍّ فلا يلزمه إعلان رجوعه عنه كما لا يلزمه الإنكار على القائلِ به لو كان غيره، والحكم من جهة البيانِ ووجوبه لا يختلف باختلاف القائلِ، بل ما يجب من البيانِ يجبُ لكشف الزيف في القول الباطل، سواء كان قولًا له قديمًا أو قولًا لغيره، وقد قال الفاروق رضي الله عنه في مسألةٍ قضى فيها باجتهادٍ مخالفٍ لاجتهاد سبق له:"تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي".
وهذا إنَّما ذُكر استطرادًا عند ذكر التراجع، وإلاَّ فالتَّراجعات الأخيرة لم تكن إلاَّ عن الحقِّ البيِّن الَّذي لا مِريةَ فيهِ، إلى الباطل المحض الَّذي لا شائبةَ فيه.