الصفحة 44 من 57

علَّل ناصرٌ الفهد تراجعه عن بعض الفتاوى أو كثيرٍ منها بأنَّ الإقدام على الفتوى غيرُ طيِّب، واستند إلى تدافع الصحابة للفتيا.

وهذا خلطٌ، ولو فرضَ أنَّ عمل الصحابة دالٌّ على ما أخذ به من كتمان العلم والسكوت عن تبيانه لكان مردودًا بالآيات الصريحةِ.

وتدافع الصحابةِ للفُتيا يُفهم بعد النظر في ثلاثة مسائل:

الأولى: التفريقُ بين الفُتيا في المشكلاتِ، والصدعِ بالواضِحاتِ، فإذا كان الإقدامُ والتسابقُ إلى الفُتيا مذمومًا، فإنَّ الصدع بالحقِّ الظاهر البيِّن محمودٌ مطلوبٌ، والمسابقُ إليه مأجورٌ، والمتخاذلُ عنها عند الحاجة إليه آثمٌ مأزورٌ، لا يُنازع في ذلك أحدٌ، والمسائل التي فيها الخصومة اليوم مسائلُ بيّنة ظاهرةٌ ليس مع المخالفين فيها دليل ولا حجّة.

الثانية: أنَّ التدافعَ يكون عند الثقة بوجود من يُبيِّن الحقَّ، فلا يكون من كتمانِ العلمِ، بل من الإحالةِ على مليءٍ في العلم، والخروجِ عمَّا لم يتعيَّن عليه، أمَّا من يعلمُ أنَّ الحقَّ لا يُبيِّنه غيره فلا يجوز له السكوت البتّة، وهذا ما فهمه الصحابيُّ الفقيه؛ معاذُ بن جبلٍ رضي الله عنه حين أخبر بحديث الرجاء المشهور عند موته تأثمًا مع إشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يُحدِّث به.

ودليلُ ذلك قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاقَ الَّذين أُوتوا الكتاب لتُبيِّننَّه للناس ولا تكتمونه} ، فأخذ الميثاقِ عامٌّ على كلِّ من أُوتوا الكتابَ، فإن بيّن من تحصل به الكفايةُ سقط الوجوب، وإن لم يُبيِّن أحدٌ أثمَ الجميعُ، ومثله قوله عزَّ وجلَّ: {إنَّ الَّذين يكتمون ما أنزلنا من البيِّنات والهدى من بعدِ ما بيّنَّاهُ للناس في الكتابِ أولئكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنونَ} ، فليس الأمر إثمًا فقط، بل هو لعنةٌ على من كتَم، ولو ساغ للكاتمين الاحتجاج بتدافع الفتيا وقال كلٌّ سكتُّ ليُفتي غيري ما كان للوعيدِ معنًى.

الثالثة: أنَّ الصحابة لم يكونوا يسكتون في حالٍ من الأحوال على التلبيس وتغيير الدين، ونحن لسنا اليوم في واقعٍ لم يتكلم فيه أحدٌ والسائل لا يجد من يجيبه حتَّى يزعم من يزعم أنَّه يُدافع الناس الفتيا، وإنَّما نرى التلبيس والتبديل للأحكامِ، والقول على الله بغير علمٍ، فإذا لم يجب على من آتاه الله علمًا البيانُ ابتداءً، فلا شكَّ في وجوبِ الذبِّ عن الشريعة وتبيان الحكم الشرعيِّ إذا زوّره الأحبار والرهبان، وهذه وظيفةُ أهل العلم والسنة الَّذين ينفون عن الدين تأويل الجاهلين، وتحريف الغالين، وانتحال المُبطلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت