الصفحة 23 من 57

ذكر شيخ الإسلام في القواعدِ الفقهيَّة أنَّ المُجتهِدَ قد يشوبُ اجتهادَهُ هوىً فيكون له من الإثمِ بقدرِ ذلكَ الهوى، وهذا لا يكادُ يسلمُ منه أحدٌ في دقائقِ المسائلِ، كما قد يقعُ في الأصولِ الكبارِ عند الفتنةِ.

والمُبتلى بفتنةٍ، تُنازعه ولا بدّ نوازع نفسه إلى الإجابةِ، وإلاّ لما كان في فتنةٍ، وقد تعرِض للنفس الشُّبهة في حال ضعفٍ فتميلُ إليهَا ميلًا إلى ما يوافق هواها ويتشاكل مع ضعفِها، وتتوهَّمُ أنّ ميلَها كان لظهور الدليل وقيامِ الحجَّةِ، فهذا من جنس الاجتهاد المقرون بهوىً الَّذي ذكره شيخ الإسلام.

والهوى إن عرض في أصلِ النّظر والمسألة، كان الاجتهاد تبعًا له، وكان النظر كلُّه نظر تلبيسٍ وضلالٍ، ورأيتَ في ذلك ما ترى من استدلالٍ بالمجملات، ومغالطةٍ في الواضحاتِ، وتعجّلٍ دون الواجب الشرعيِّ من التثبّت، وليٍّ لأعناقِ النُّصوص وتحويلٍ لها عما تدلُّ عليهِ.

وإن عرض للناظر في المسألةِ في أثناء بحثِهِ فيها كان له أثرُهُ في المسألة والكلام فيها بقدر ما عرض فيه، وقوّة النفس في التجرُّدِ منهُ.

ولانضباطِ أدلّة الكتاب والسنة، وصعوبة تحريف المحرّفين لها، كان أغلب ما تجرُّ إليهِ الأهواءُ باب المصلحة والمفسدة، والتعلّق بالتجارب والنتائج الدنيويَّة العاجلة.

فتلجأ النفس الأمَّارة بالسوءِ إلى لبس الحق بالباطل، وتصوير المداهنة في صورة المداراة الشرعية، والتمييع في صورة التوسط والاعتدال، والمجادلة عن الطواغيت والمخاصمة عن الخائنين في صورة الدفاع عن الأمَّة والحفاظ على وحدتها، والذبَّ عن الصليب وحمايته في صورة التعقل والتأنِّي وتجنيب المسلمين ما لا يُطيقون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت