الصفحة 22 من 57

من المزالق فيما رأينا من تراجع المتراجعين، الاعتمادُ في الأخبار على وسائل إعلام المرتدّين، وتصديقُ الطواغيتِ وأبواقِهِم فيما يقولون، فصدّقوا كذبتهم الصلعاء في أنّ سكان مجمّع المحيَّا من المسلمين، وصدّقوا أنّ في المجمّع مسجدًا، واعتمادهم في هذا على ما قال الطاغوت، وما نعقت به صُحُفُه وإذاعاتُهُ، والحقُّ خلافُ هذا، ولو تثبّت واحدُهم أو سكت حين لم يثبت عنده شيءٌ لأصابَ في فعلِهِ.

وقد حذّر اللهُ من الأخذ بخبر الفاسق فقال: {يا أيُّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا أن تُصيبوا قومًا بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتُم نادمين} ، وأيُّ قومٍ كالمجاهدين خاضت في أعراضهم الألسن؟

وذمّ اللهُ من أخذَ بخبر المنافق فقال عزّ وجلّ: {لو خرجوا فيكُم ما زادوكم إلا خبالًا ولأوضعوا خلالَكم يبغُونكم الفتنة، وفيكُم سمَّاعُون لهُم} ، ولا فتنةَ أكبرَ من فتنةِ طواغيتِ الجزيرةِ وما بغوهُ في المُؤمنين، ولا تكادُ تجدُ مفتونًا بفتنتهم إلاّ كان من السمّاعين لهم المصدّقين لترّهاتهم.

وهذا وإن كان أصلًا شرعيًّا لا غُبار عليه، فإنّ الوقائع تؤكّده في مواضع لا تحصى، وتبيُّن خطر تركِ التبيُّن، فكلُّ ما عايشناه وعرفناه من أمورٍ أخبر عنها الطاغوت رأينا الكذب فيه في وسائل الإعلام مما لا يُحتمل، وكلُّ ما بيّنه المجاهدون بعد ذَلِكَ وشرحوا أمرَهُ للناس استبانَ ما فيهِ من تلبيس هؤلاء الطواغيتِ الذين فرّغوا أجهزةً للدجل وتلبيس الحقائق.

وممّا أثّر فيه عدم التثبّتِ: حكم المتراجعين بأنّ الجهاد في العراق فتنةٌ وليس جهادًا، وتعليلهم بأنّ القاتل لا يدري فيمَ قَتَل، وهذا باطلٌ يُعلم بالاضطرار، ولو استند الناظر إلى صحف الطاغوت وإذاعاته وحدها، أو إلى الإذاعات عامة لما خرج بهذه النتيجة، ولما تصوّر الجهاد في العراق بهذه الصورة، وليس هذا التصور الذي زعموه موجودًا عند أحدٍ إلاّ إن كان شيءٌ يصنعه الطاغوت لهم في نقل الأخبارِ وتوصيلِها إليهم.

وسيأتي بإذن الله في فقه الواقع الحديث عن المواضع التي يُشرعُ فيها الأخذ بخبر الكافر وضوابط ذلك، وليس هذا الموضع منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت