المعلم الثالث: التهرب من تنزيل الأحكام على الواقع، وبيانِ الحق
{كان النَّاسُ أُمَّةً واحدةً فبعث الله النبيِّين مُبشِّرين ومُنذرين، وأنزلَ معهُم الكِتابَ بالحقِّ ليحكُمَ بينَ النَّاسِ فيما اختلفوا فيهِ} ، {فإن تنازعتُم في شيءٍ فرُدُّوه إلى الله والرسول إن كُنتم تُؤمنون بالله واليوم الآخر} ، {وكيف يُحكّمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثمّ يتولّون من بعد ذلك} .
فالله أنزلَ الكتابَ ليُعملَ به في الواقعِ ويُنزّلَ عليهِ، ويُحكّم في أفعال الناس وأقوالهم، ويُستنار به فيما يحدثُ من أحداثٍ.
والبيانُ الَّذي أخذه الله على العلماءِ كما يشملُ الصدع بالحق والآياتِ والبيِّناتِ، يشملُ تنزيلها على الواقع وبيان حكم الله فيها، وإلاّ فالآياتُ محفوظةٌ في القراطيس والصدور، والأحاديث مزبورةٌ في الصحاح والمسانيد، فما يفعل العالم وما الحاجة إليه، إن لم يصدع بحكم الله في واقعه ويبيِّنْ ما أمر الله به وينزّله في مواضعِهِ؟
وما الفرق بين من يردِّد النصوص دون تنزيل لها وتحكيمٍ في الواقع، وأهل الكتاب الَّذين ذكر الله عنهم: {ومنهُم أُمِّيُّون لا يعلمون الكِتابَ إلاَّ أمانيَّ وإن هُم إلاَّ يظُنُّون} ، فهم لا يعلمون من الكتاب إلاّ تلاوتَه والأمنيَّة التلاوة، وهؤلاء يزيدون على الأحبار بأنَّهم يعلمون شيئًا من الكتاب وشيئًا من السنة، وشيئًا من مقالات العلماء، ومعرفتهم لها جميعِها ما هي إلاّ أمانيَّ.
ومن المعروف عن الرسميين في بلاد الحرمين، الَّذي اعتادوه حتى صار سنَّةً لهم، أنَّهم يقلّدون الأئمة في تأصيل المسائل وتقريرِها، ويُخالِفُونَهم في تنزيلِها على الأحداثِ والتعاملِ مَعَهَا، حتّى إنَّ منهم من سُئل عن فتواه في تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله، وقيل له إنّ من الناس من يحتجُّ بفتواك على تكفير حكام الخليج، فغضب وقال هؤلاء أصحاب أهواء، أنا فتواي عامَّة وحكام الخليج ما أدري عن حالهم، وكأنَّ الفتوى العامَّة يجب أن تبقى عامَّة ولا تنزّل على أرض الواقع بحالٍ من الأحوالِ، وكأنَّ جهله بالواقعِ يوجبُ على الناس كلِّهم أن يقفوا لا عند علمِهِ، بل عندَ جهلهِ، فما اكتفى المسكينُ بتعطيله لحكم الله، حتَّى غضبَ حينَ سمعَ بمن أقدم على الواجب الذي عطّله، فيُريد من الناس كلِّهِم أن يكونوا مثلَه.
وإذا كان العالم وريثًا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أمر الله النبي {وأنزَلنا إليكَ الذِّكرَ لتُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهِم لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ} ، مع قولِهِ تعالى: {ما على الرَّسُول إلاَّ البلاغ} ، فدلَّ على أنَّ البلاغ شاملٌ لتوضيح النصوص ودلالاتِها.
وأيضًا فالبلاغ ليس بلاغًا للحروف فقط، بل المطلوب به البيانُ ومعرفةُ المعاني، ولذا قال تعالى: {وما أرسلنا من رسولٍ إلاَّ بلسانِ قومِهِ ليُبيِّن لهم} ، فجعل الله بعض كتبِهِ ورسالاتِهِ بغير العربيَّةِ وهي خيرُ اللُّغاتِ وأمثلُها لحكمةِ البلاغِ والبيانِ للناسِ، ولا فرق بين أعجميٍّ لا يفقهُ من القرآن شيئًا أصلًا، وعربيٍّ لا يعرف كلامًا مُعيَّنًا في اللغة، مع الأمر بالبيانِ في كليهِما، ومسيس الحاجةِ إليهِما.
وإذا كان ترك البلاغِ بالكلِّيَّةِ من خيانِةِ الأمَّة وإضاعةِ الأمانةِ، فإنَّ ترك ما لا يقصد البلاغُ إلاَّ لأجلِهِ كذلكَ، وإن كان حظّ العلماء بلاغ الآيات بنصوصِها، وحظّ العامَّةِ تنزيلها على الواقع، فالعامَّة أحقُّ باسمِ الفقهِ وأَولى، ولو كان ذلك لما كان للعلماء على القراطيس فضلٌ ولا مزيَّة، ولكانوا {كمثلِ الحمارِ يحملُ أسفارًا} .
والرسميُّون في بلاد الحرمين؛ يدرّسون كتاب التوحيدِ، ويتحدّثون عن الولاء والبراء، ويفصّلون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله، وينقلون الإجماعات في المستهزئين بالدين، ويتلون بألسنتِهِم آياتِ الجهادِ، ثمَّ لا تجد منهم من يفتح فاهُ مبيّنًا حكمًا شرعيًّا في واقعةٍ واحدةٍ، إلاَّ ما وافقَ هوى الطَّاغوتِ.
من أجلِ ذلك لا تجدُ فرقًا بين أكثرِ كتاباتِ أبي محمدٍ المقدسيِّ ثبّته الله وفكَّ أسرَه، وكتابات كثيرٍ منهم في مسائل الاعتقادِ من حيثُ التأصيلُ، إلاَّ أنَّهُ امتاز بصدقِهِ فيما يقول، وتنزيلِهِ الأحكامَ في مواضِعِها التي يعلمُونَها ويُعرضون عنها ويكتمونها كتمان اليهودِ آيةَ الرَّجم.
ومن أقبحِ ما في هذا المعلم، أنَّهم إذا أحجموا عن أمرٍ من بيان الحقِّ والصدعِ به بحجَّةٍ يُمليها عليهم إبليسُ من التريُّث والتأنِّي، أو التورُّع والاحتياطِ؛ لم يحجموا أو يتورّعوا أو يحتاطوا في مُهاجَمة من بيَّن الحقَّ وصَدَعَ بِهِ وتحمَّل ما تحمَّل لأجلِهِ، بل يصبّون عليه أحقادهم ويناصبونه العداء دون تفصيلٍ ولا تأنٍّ ولا احتياط، ومثل هذا يُعلم منهُ حقيقةُ احتياطِهِم وورعِهِم البارد، فيتورّعون عمَّا فيه بطشُ الطَّاغوت وبأسُهُ، ولا يتورَّعون عن أولياءِ اللهِ ولا يتأنّون ولا يتثبَّتون حين لم يكن وليَّهم إلاَّ اللهُ وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيرًا.
هذا مع علمِهِم أنَّ من أقدمَ على هذا الأمر وصدعَ بما جبنوا عنه من الحقِّ، لم يخرج عن أن يكون قولًا اجتهاديًّا لو كانوا صادقين في احتياطهم وتوقّفهم، والأصلُ أنَّ الاحتياطَ لا يجبُ ولا يحرمُ كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فضلًا عن أنَّ المحتاط في أمرٍ لالتباسه لا يحقّ له أن يحكم على الناس بالتباسِهِ عليهِم، بل لا يمكن أن يكون الحقُّ ملتبسًا على كل أحدٍ، وإن كان قد يخفى على بعض الأفرادِ بعضُ مسائلِهِ.
وأعرف عددًا من المنتسبين إلى العلم، المتصدّرين للتدريس والإفتاءِ، إذا حُوجِج في مجالسه في كفر دولة آل سعود أقرَّ بارتكابِهِم المكفّرات، وادّعى الاشتباه والتردد عنده وعدم تحرير بعض المسائل وامتنع بذلك عن تنزيل حكم الله الَّذي قضى به كتابُهُ عليهِم، فإذا برز للناس في العلن سبَّ وشتَمَ من علم أنَّ الحقّ معه والدليل عندَهُ والبرهان يؤيِّده، ولكنَّهُ حين تهرّب من تنزيل الحكم على الواقع لعلّةٍ لم تكن الاحتياط للدين ولا الاشتباه في المسألة، بل هي رعاية جناب الطاغوت واسترضاؤه، علم أنَّ تلك العلَّة توجب عليه أمرًا آخر، ولا تتركه حتَّى يبرأ من الموحّدين، ويتزلَّفَ إلى الطواغيتِ، ويجحد الحقّ وينصر الباطل.
{ألم تر إلى الَّذين أُوتوا نصيبًا من الكتابِ يُؤمِنون بالجبتِ والطَّاغُوتِ ويقولونَ للَّذين كفروا هؤلاءِ أهدى من الَّذين آمنوا سبيلًا * أولئك الَّذين لعنهم الله ومن يلعنِ الله فلن تجدَ له نصيرًا} .