الصفحة 20 من 57

من مسالك الضلالة في التَّراجعات، توهُّم المُتراجع أنّ الحقّ محصورٌ في معلومِهِ، واستغناؤه بالواقع الذي يراهُ عن البحث عن الحقّ والسعي في طلبِهِ وتحصيلِهِ.

وهذا من أكثر ما وقع فيه أهل الكلام، ممن ينشأ ببلدٍ لا يرى فيه إلاّ البدع ولا يعرف مذهب أهل السنة، ولا يطّلع عليه في شيءٍ مما يُطالعه من الكُتُب، وهذا كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة فيهم أنّ الرجل منهم يذكر الأقاويل في المسألة ويطيل فيها، والقول الذي هو مذهب أهل الحديث والأثر وهو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة لا يذكره ولا يعرض إليه ولا يعلم به.

ومن هذا المزلقِ احتجاج المشركين على رسلهم بـ {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوَّلين} ؛ فظنُّوا أن ما لم يقع في آبائِهم لا يمكن أن يكون حقًّا، وأنَّ كلَّ حقٍّ لا بدَّ أن يكون مما وجدوه لدى آبائِهم، ومثلُهُ استغرابهم أن يكون الرسول بشرًا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لأنَّهم نظروا فيمن عرفوا من البشر فلم يجدوا فيهم رسلًا، واستدلُّوا على مماثلته للناس بأكله الطعام ومشيه في الأسواق، فكيف يُفارق الناس بالنبوة؟!

ومنه قول مشركي قريشٍ للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرنا عن ربّك، أمن ذهبٍ هو؟ أمن فضّةٍ هو؟ تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا، فلم يدركوا من الماهيَّات إلاّ المعادن الأرضيَّة وما شاكَلَها.

ويُشبه هذا الباب حصر أدلَّة الحقِّ فيما يعرفه كما فعل فرعون حينَ قال: {يا هامان ابن لي صرحًا لعلِّي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطِّلع إلى إله موسى وإنِّي لأظنُّه كاذبًا} ، فظنَّ أنَّ كل موجودٍ يمكنه الاطّلاع عليه والوصول إليه، وأنَّ الربَّ لا بدَّ أن يكون في حدود ما يدركه ويعرفه أو يستطيع الوصول إليه، ومنه قول النمرود {أنا أُحيي وأُميت} ، فلم يفهَم من الإحياءِ والإماتةِ إلاَّ ما هو بمقدوره.

والمنحرفون في هذه الأمة عن التوحيد أُتوا من هذا البابِ، فعبّاد النبيّ - صلى الله عليه وسلم وبارك - وعبدة الأولياء والصالحين من دون الله، يستدلُّون بشيءٍ من واقعهم على ما يفعلون، فيقول قائلهم: لو أنّك جئت ملكًا من الملوك له جاهٌ ومهابةٌ لم يمكنك الدخول عليه إلاَّ بوساطاتٍ وشفعاء، فيتوهّمون الله جلَّ وعلا كملوك البشر الَّذين لا يعرفون غيرهم.

والمنحرفون في أفعال الله من القدريَّة والجبريَّة، امتنع عندهم بناءً على ما يعرفونه من الواقع وجود إرادةٍ حقيقيّةٍ للمخلوقِ، مع دخولها في الإرادة التامَّة الكاملة للربِّ، ثمّ اختلفوا فمنهم من أثبت إرادة الرب ونفى إرادة العبد، ومنهم من عكَسَ ذلكَ.

والمنحرفون في الأسماء والصفاتِ توهّموا أنَّ إثبات الصفات لله عزَّ وجلَّ لا يكون إلاّ على ما يعرفونه من صفات المخلوقين في النقصِ والضعف، ثمَّ انقسموا بعد هذا الوهم قسمين: قسمًا أثبت لله الصفات وأثبتها على هيئة صفات المخلوقين، وهم الممثّلة كهشام بن الحكم الرافضي وغيره، وقسمًا نفى صفات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت